" حقوق الشعوب اليوم: الأسئلة والتحديات "

" نحو منظومة عربية لحقوق الإنسان "

أ. منية عمار الفقي

وزارة العدل وحقوق الإنسان - تونس

تمـــهيد:    

      إنّ ما تشهده المنطقة العربية اليوم من أوضاع مأساوية في الأراضي العربية المحتلّة الفلسطينية والعراقية وانتهاكات يومية مستمرّة لأبسط حقوق الإنسان وما تتعرض له الأمّة العربية من حملات تشويه مغرضة، يدفعنا للخوض مرّة أخرى في مسألة من أهمّ مسائل حقوق الإنسان ألا وهي مسألة حقوق الشعوب,  والإقرار، بعد مرور أكثر من 55 سنة عن صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،  بأنّ الأسباب الكامنة وراء صدور هذا الإعلان لم تزل بعد قائمة على الرّغم ممّا حققته الإنسانية في هذا السياق من إنجازات لا يستهان بها. لذلك وجب علينا القيام بوقفة تأمّل وطرح التساؤلات والوعي بالتحديات والاستعداد لما يجب أن ينجز رغم المصاعب والعراقيل التي قد تدفع بالبعض منّا إلى الشكّ في قيم حقوق الإنسان أو الزهد فيها بدعوى عدم احترامها من طرف بعض الجهات.

     فما تشهده المنطقة العربية التي تمرّ اليوم بمنعطف صعب وخطير للغاية،  يدعونا أكثر من أي وقت مضى إلى مزيد التمسّك بقيم حقوق الإنسان ومزيد العمل على التعريف بها والتربية عليها والسعي إلى تكريسها على أرض الواقع والعمل على إضفاء مزيد النجاعة على آلياتها كعلامة من علامات التحضّر وبقاء الأمل في أن يكون مستقبل الأمّة العربية والبشرية قاطبة أفضل من حاضرها.

    فهذا الحاضر المؤلم للمنطقة العربية يتطلب من جميع القوى الحيّة المؤمنة بمبادئ وقيم حقوق الإنسان الكونية، العمل، كلّ من موقعه، على تجاوز كلّ مظاهر التقوقع على الذات والانحباس داخل الأطر الضيقة والإيمان بالقدرات الذاتية والعمل على تحمّل مسؤولياتها التاريخية ومحاسبة النفس ومواجهة التحدّيات المصيريّة المطروحة عليها حتى تحتلّ الأمة العربية المكانة اللّائقة بها بين أمم العصر المتقدمة.

     وتعتبر مسألة قيام منظومة عربية لحقوق الإنسان من بين أهم المسائل التي يجب أن نسعى اليوم إلى إنجازها للانخراط الكامل في المنظومة الدولية وذلك بتحديد أطر فعّالة وأكثر حماية لحقوق الإنسان‏، وبوضع المعايير العالمية لحقوق الإنسان في إطارها التطبيقي الخاص ثقافيا ودينيا وجغرافيا وسياسيا‏,‏ وبالتنصيص على حقوق وحريات جديدة والتأكيد علي حمايتها.

  وسأحاول من خلال المبحث الأول لمداخلتي الإجابة عن تساؤلات حول إمكانية الحديث اليوم عن قيام منظومة عربية لحقوق الإنسان وعن الآفاق المستقبلية لقيام هذه المنظومة أو تدعيمها إن وجدت، لا سيما بعد أن كثر الحديث أخيرا عن الميثاق العربي لحقوق الإنسان . كما سأحاول في المبحث الثاني استعراض أهمّ المراحل التي مرّ بها مسار اعتماد هذا الميثاق وعملية التحديث التي شهدها والتحديات التي يواجهها والقيام بقراءة للميثاق الذي اعتمد مؤخرا خلال مجلس القمة المنعقدة بتونس خلال شهر ماي 2004.

المبحث الأول: الآفاق المستقبلية لمنظومة عربية لحقوق الإنسان

      أكّدت الأمم المتحدة في عديد المناسبات على الدّور الهام الذي يمكن أن تلعبه الأنظمة الإقليمية لحماية حقوق الإنسان.  وينصّ في هذا الإطار ميثاق الأمم المتحدة في مادتيه ‏52 و53 على‏ إمكانية قيام تنظيمات إقليمية تعالج بعض الأمور المتعلّقة بحفظ السلام والأمن الدوليين ‏.‏ فما هي الجدوى من وراء قيام أنظمة إقليمية لحقوق الإنسان ? وهل يمكننا اليوم الحديث عن وجود منظومة عربية لحقوق الإنسان ? وما هي آفاقها ?

1- فوائد وإيجابيات قيام أنظمة إقليمية لحقوق الإنسان

     إن الهدف الأساسي من إقرار المواثيق الإقليمية هو الإضافة التي تستطيع أن تثرى الجهد الدولي، باعتبار أنّ الخصوصيات الثقافية والحضارية، كما عبّرت عنها وثيقة وبرنامج عمل فيينا (1993) ووافقت عليها الحكومات العربية هي مصدر لإثراء المعايير الدّولية. فقد كان لإقرار عدد من المواثيق الإقليمية كالاتفاقية الأمريكية والأوروبية والإفريقية لحقوق الإنسان،  عديد الفوائد والإيجابيات حيث نجحت هذه المواثيق في تحديد معايير أكثر فعالية وأكثر حماية لحقوق الإنسان‏، وفي وضع المعايير العالمية لحقوق الإنسان في إطارها التطبيقي الخاص الثقافي والديني والجغرافي والسياسي، وكذلك قي التنصيص على حقوق وحريات جديدة والتأكيد علي حمايتها‏.‏ كما نجحت هذه المواثيق في ضمّ وجمع دول الإقليم الواحد في نظام شامل لحقوق الإنسان‏,‏ وإيجاد التزامات للدّولة تكون أعلى وأكثر تحديدا من تلك المنصوص عليها في النظام الدولي من خلال خلق آليات مراقبة إقليمية أكثر تركيزا وفعالية‏.‏

  وتعتبر الاتفاقيات والمواثيق الإقليمية الأساس الأهمّ لقيام نظم إقليمية لحقوق الإنسان. فمع بروز توجّه الأمم المتحدة بإصدار الاتفاقيات والمواثيق الدّولية توالى ظهور الاتفاقات والمواثيق الإقليمية‏,‏ فظهرت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي اعتمدها مجلس أوروبا في الرابع من نوفمبر سنة ‏1950‏ ودخلت حيّز التنفيذ سنة‏1953.‏ ثم الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان التي أقرتها منظمة الدول الأمريكية‏.‏ ثم جاء بعد ذلك الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب من جانب منظمة الوحدة الإفريقية‏.‏ سنة 1981 ليدخل حيز النفاذ في‏21‏ أكتوبر‏1986,‏ ثم إصدار منظمة المؤتمر الإسلامي إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام سنة ‏1990.‏

    ويلاحظ أن الأنظمة الإقليمية لم تعد تقتصر على اتفاقية واحدة في مجال حقوق الإنسان فحسب‏,‏ بل إنها تطوّرت وتنوّعت لتنصّ على العديد من الحقوق‏,‏ وتفرّد لها اتفاقيات وبروتوكولات خاصة تؤكد علي حمايتها بشكل أكثر تفصيلا ووضوحا‏.‏ ويعتبرالنظام الأوروبي أبرز هذه الأنظمة حيث تعدّدت المواثيق التي وافقت عليها الدول الأوروبية‏,‏ فإلي جانب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان  أقرّت الحكومات الأوروبية الميثاق الاجتماعي الأوروبي في أكتوبر‏1961‏ الذي يضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطني وشعوب هذه الدول‏,‏ والاتفاقية الأوروبية للوقاية من التعذيب والعقوبات والمعاملة غير الإنسانية  والمهينة في نوفمبر‏1987,‏ والإتّفاق الإطار لحماية الأقلّيات القومية‏(‏ نوفمبر‏1994)‏ بالإضافة إلي عدد من البروتوكولات التكميلية لهذه الاتفاقيات‏. ويعدّ النظام الأوروبي هو أفضل النظم الإقليمية على الإطلاق خاصة في ظلّ وجود المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والذي يشمل اختصاصها حلّ المسائل المتعلقة بتفسير وتطبيق الاتفاقية وبروتوكولاتها‏، ويجيز نظام المحكمة اللّجوء إليها من جانب الدّول المصدّقة على الاتفاقية الأوروبية في حال إدّعاء دولة طرف بأن دولة متعاقدة قد خالفت نصوص الاتفاقية وبروتوكولاتها‏.‏ كما تجيز الاتفاقية للأفراد والمنظمات غير الحكومية اللجوء إليها في حال انتهاك حقوقهم‏.‏ ويحاول النظام الإفريقي في هذا المجال محاكاة النظام الأوروبي والنسج على منواله من حيث تدعيم آليات الحماية في مجال حقوق الإنسان وإحداث محكمة إفريقية لحقوق الإنسان بموجب البروتوكول الإضافي للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان. وقد تمّ اعتماد هذا البروتوكول من قبل قمة رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية المنعقدة في بوركينا فاسو في جوان 1998. وقد دخل هذا البروتوكول حيز التنفيذ يوم 25 جانفي 2004 بعد أن حظي بمصادقة 15 دولة  عليه .

    إنّ قيام أيّ نظام إقليمي لحقوق الإنسان كفيل بتحقيق الأهداف المرجوّة منه يفترض بلا شك وبالأساس الاستجابة لعدة معايير ومن أهمّها وجود وثيقة إقليمية لحقوق الإنسان تقرّ مجموعة من الحقوق الإنسانية الأساسية وتلزم الدول باحترامها والعمل على تكريسها وحمايتها والعمل على خلق آليات مراقبة ومحاكمة كفيلة بمحاسبة الدول لدفعها للعمل على مزيد تكريس حقوق الإنسان في الواقع المعاش للإنسان. فبالنظر إلى هذه المعايير التي استجاب لها كل من النظام الأوروبي لحقوق الإنسان والتي يسعى النظام الإفريقي لاحترامها والعمل على توفيرها وتكريسها يوما بعد يوم، يحق لنا أن نطرح التساؤل التالي: أين يمكن لنا أن نموقع وضع العربي في مجال تكريس منظومة حقوق الإنسان وهل يمكننا الحديث بعد عن قيام نظام عربي لحقوق الإنسان  حتى وإن كان في خطواته الأولى ? هذا ما سنحاول البحث فيه من خلال الجزء الثاني من هذا المبحث.

2- قيام منظومة عربية لحقوق الإنسان

على الرّغم من أنّ جامعة الدّول العربيّة تعدّ أوّل منظّمة دوليّة إقليميّة تمّ تأسيسها حتّى قبل أن تضع الحرب العالميّة الثّانية أوزارها، فقد تأخّرت هذه الجامعة عن بقيّة المنظّمات الدوليّة العالميّة والإقليميّة في اعتماد وثيقة تقرّر حقوق الإنسان وتحمي حريّاته الأساسيّة حتّى نهاية القرن العشرين. ففي سنة 1994 أي  بعد مرور قرابة نصف قرن على توقيع ميثاق القاهرة، بتاريخ 22 مارس 1945، والذي أنشأ جامعة الدّول العربيّة، جاء اعتماد الميثاق العربي لحقوق الإنسان دون المستوى المأمول ومخيبا للعديد من الآمال. فلم يحظ بمصادقة الدّول الأطراف ولم يدخل حّيز التنفيذ رغم النداءات المتعدّدة التي طالبت بوضع وثيقة عربية لحقوق الإنسان لتكون لبنة أساسية لقيام منظومة عربية لحقوق الإنسان على غرار بقية التنظيمات الإقليمية التي نجحت في تحقيق الأهداف التي كانت وراء قيامها وساهمت إلى حدّ بعيد في تكريس قيم حقوق الإنسان ونشر ثقافتها وضمنت حمايتها على عديد المستويات.

     لكن ماذا يعني قيام منظومة عربية لحقوق الإنسان ؟

    إنه يعني قيام نظام عربي لحقوق الإنسان من خلال تضمين ميثاق جامعة الدول العربية، وكذلك اعتماد اتفاقيات جماعية عربية تعترف للمواطن بالحقوق الأولية للإنسان، وتحافظ على حرّياته الأساسية، وتؤسس كذلك لآلية تسهر على حسن تطبيق هذه الحقوق والحريات واحترامها دستوريا وقانونيا وقضائيا من قبل الدول العربية الأطراف في هذه الاتفاقيات.

    ولا خلاف اليوم في أنّ النظام الإقليمي العربي في مستوى جامعة الدول العربية بقي غير قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي شهداها فكر ومنظومة حقوق الإنسان. فميثاق جامعة الدول العربية مثلا وخلافا لكل مواثيق المنظمات الدولية الإقليمية الأخرى مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، لم يجعل من حقوق الإنسان والديموقراطية أساسا "للعمل العربي المشترك". وحتى الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 1994، نشأ وهو يحمل في جوهره إشكاليات عدّة تؤكد هذا الغموض في التعامل مع المرجعية الكونية لحقوق الإنسان ومع الالتزامات الدولية باحترام حقوق الإنسان.

       وفي مقابل غياب منظومة عربية لحقوق الإنسان، ورغما عن بقاء منظمات المجتمع المدني العربي مهمّشة لا سيما في عمل الجامعة العربية سواء من حيث الآليات أوالأجهزة، فقد شهدت هذه المنظمات تطورا في السنوات الأخيرة بظهور مجموعة كبيرة من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجالات عديدة مثل حقوق الإنسان والمرأة والطفل التنمية والتعليم والصحة ولكن هذا التطور يواجهه عوائق عديدة، تشريعية وسياسية منعت هذه المنظمات من التحول إلى قوة ضغط في اتجاه النهوض بحقوق الإنسان في كافة تجلّياتها وبمعناها الشامل والمتكامل.

     ويرى العديد من المهتمّين بحقوق الإنسان أن غياب منظومة عربية متكاملة لحقوق الإنسان لا يرجع بالأساس إلى وجود "عجز تقني" لإنشاء نصّ من النصوص يعتمد من طرف الدول العربية، بقدر ما يرجع إلى إشكاليات وقضايا خطيرة وشائكة بقيت مطروحة على مجتمعاتنا العربية دون أن تجد لها صدى كمسألة الحداثة والتحديث.

     وبالرجوع إلى ما يمكن أن يشكل على الساحة العربية، مؤشرا لوجود منظومة عربية لحقوق الإنسان، يمكننا الإشارة إلى اللجنة الفنية التي أحدثت منذ سنة 1968 صلب هياكل جامعة الدول العربية طبقا للمادة الرابعة من ميثاق جامعة الدول العربية.وهي اللّجنة العربية الدّائمة لحقوق الإنسان. و تعتبر هذه اللّجنة الهيئة الحكومية الوحيدة التي تهتمّ بمسائل حقوق الإنسان في إطار جامعة الدول العربية، وهي لجنة فنية حكومية يحضرها ممثلون عن كلّ الدول الأعضاء، ومن بين مهامّها الأساسية دراسة مشاريع الاتّفاقيات المتعلّقة بحقوق الإنسان، وعلى الخصوص وضع ميثاق عربي لحقوق الإنسان.

    كما يمكننا الإشارة أيضا إلى ميثاق حقوق الطفل العربي الذي اعتمد من قبل مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب في نهاية اجتماعاتهم بتونس سنة 1983.

    وبالنظر إلى عدد من المعاهدات والاتفاقيات المبرمة في نطاق جامعة الدول العربية، يمكننا الإشارة إلى عدة مواثيق لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بحقوق الإنسان على غرار الاتفاقية العربية لتنظيم أوضاع اللّاجئين في الدول العربية واتفاقية الجنسية واتفاقية إنشاء منظمة المرأة العربية وغيرها من الاتفاقيات التي من شأنها المساهمة في وضع الأسس الأولى لقيام منظومة عربية متكاملة وشاملة في مجال حقوق الإنسان.

3- الآفاق المستقبلية لقيام منظومة عربية متكاملة لحقوق الإنسان

      يرى العديد من المهتمّين بوضع حقوق الإنسان على الساحة الغربية أنّ جامعة الدول العربية تبقى الإطار الأمثل لقيام هذا النظام العربي وتفعيله.

      فالجامعة كأقدم منظمة إقليمية تمّ تأسيسها قبل المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى مثل: الأمم المتحدة أو مجلس أوروبا، هي المكان الطبيعي والمناسب لتجسيد منظومة عربية لحقوق الإنسان، وذلك أسوة بالمنظمات الإقليمية الأخرى التي أسّست لأنظمة قانونية تعنى بحماية هذه الحقوق. كما أن قيام هذا النظام العربي في رحاب جامعة الدّول العربية يعّد استمرارا للجهود التي بذلت منذ أكثر من ثلاثة عقود في هذا الميدان. وفي هذا الإطار يذهب الكثير إلى اعتبار وأنّ إصلاح الجامعة هو جزء من عمليّة الإصلاح الشّاملة التي يجب إدخالها على الوطن العربيّ باعتماد مبادئ الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان. وينادون تأسيسا على ذلك بضرورة دعم التوجه الإصلاحي للأمين العام لجامعة الدول العربية واتخاذ خطوات ومبادرات إضافية لدعم حقوق الإنسان ومعاضدة الجهود المبذولة إلى الآن، وذلك بتطوير أجهزة جامعة الدّول العربيّة وهياكلها وباعتماد مبدإ مشاركة المجتمع المدنيّ في القيام بدوره كاملا و بالحرص كذلك على مصادقة الدول على نص الميثاق العربي لحقوق الإنسان الحديث ليدخل حيز التنفيذ في أقرب الآجال.

      وفي انتظار أن يدخل الميثاق العربي لحقوق الإنسان حيّز النفاذ وحتى تقوم الآلية التي أحدثها وهي " لجنة حقوق الإنسان العربية " بالدور المنتظر منها، يتّجه الحرص على توسيع مهام اللّجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان باعتبارها إحدى اللجان الفنية المتخصصة لتشمل النظر في أوضاع حقوق الإنسان في كل البلدان الأعضاء بغض النظر عن تصديقها أو عدم تصديقها على الميثاق العربي ، ونشر الوعي والتعريف بمبادئ حقوق الإنسان في كامل التراب العربي.

ولن ننسى في الأخير الدور الهام والإستراتيجي الذي يجب أن تلعبه المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني بكلّ مكوناتها في سبيل العمل على النهوض بوضع حقوق الإنسان وحمايتها في المنطقة العربية والمساهمة في قيام منظومة عربية فعالة لحقوق الإنسان.

       وتتمثّل أهمّ الخطوات القادمة التي يمكن لهذه المنظمات أن تقوم بها حسب اعتقادنا في هذا الوقت في الضغط على الدّول والحكومات العربية للقيام بإجراءات التصديق على الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمد مؤخرا خلال القمّة مجلس جامعة الدول العربية في ماي 2004.

       فما هو مضمون هذا الميثاق ولماذا تأخر كثيرا عن الصدور وما هي أوجه التحديث التي شهدها ? أسئلة سأحاول الجواب عنها من خلال المبحث الثاني   " قراءة في عملية تحديث الميثاق العربي لحقوق الإنسان ".

المبحث الثاني: قراءة في عملية تحديث الميثاق العربي لحقوق الإنسان:

    إن القيام بأية محاولة للقراءة في عملية تحديث الميثاق العربي لحقوق الإنسان يستدعي بلا شك الإلمام بمحتوى النص موضوع التحديث وهو نص الميثاق الأصلي ومن ثم التعرف على ما انتهت إليه عملية التحديث أي نص الميثاق الجديد. كلّ ذلك مع محاولة الإلمام أيضا بالمؤثرات المباشرة منها وغير المباشرة التي أحاطت بعملية التحديث. وهو ما سأحاول التطرّق له خلال هذا المبحث الذي خصصت الجزء الأول منه إلى مسار نشأة الميثاق العربي لحقوق الإنسان في حين سأتطرق في الجزء الثاني منه إلى تحديث الميثاق والصعوبات والتحديات التي يواجهها لأنتهي للجزء الثالث الذي خصصته للقيام بقراءة عامّة في نص الميثاق المستحدث.

1-   الميثاق العربي لحقوق الإنسان: النشأة والمسار

       مرت أكثر من ثلاثين عاما من النقاشات حول إصدار ميثاق عربي لحقوق الإنسان تراوحت بين مواقف أغلبها حكومية ترفض التقييد من سلط الدولة والالتزام الصارم باحترام المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان وأخرى لمنظمات مجتمع مدني لا تقبل بأقلّ من هذه المعايير الكونية.

      بدأ الحديث صلب جامعة الدّول العربية لأول مرّة عن وثيقة لحقوق الإنسان إثر صدور قرار عن مجلس جامعة الدول العربية سنة 1968 يقضي بإنشاء لجنة إقليمية عربية دائمة لحقوق الإنسان. وجاء تأسيس هذه اللجنة الدائمة، بعد عام من نكسة 1967 وإثر الصدمة الكبيرة التي هزت الوطن العربي في نهاية الستينات، ‏ وبناء على دعوة أكدت عليها الأمم المتحدة بتنشيط اللجان الإقليمية في مجال حقوق الإنسان‏‏.‏ ‏ ويمثل قيام هذه اللجنة آنذاك محاولة متواضعة من طرف جامعة الدول العربية للاهتمام بقضايا حقوق الإنسان.

اعتمدت اللّجنة العربيّة الدائمة لحقوق الإنسان في إحدى اجتماعاتها بالقاهرة والتي انتظمت ما بين 24 مارس إلى 10جويلية1970، أوّل مشروع لميثاق عربي لحقوق الإنسان". وتمّ عرض هذا المشروع على الدّول الأعضاء في الجامعة لإبداء الرّأي فيه. وأبدت بالفعل ثمان دول عربيّة رأيها، وهي الأردن، العراق، لبنان، ليبيا، مصر، المملكة العربيّة السعوديّة، الكويت، وممثّل منظّمة التّحرير الفلسطينيّة.

بعد انتقال مقرّ الجامعة إلى تونس إثر تعليق عضويّة مصر فيها، كلّف الأمين العام لجامعة الدّول العربيّة، إثنين من الخبراء العرب وهما: محمّد عصفور (مصر)، وحسين جميل (العراق)، بتحضير "مشروع ميثاق عربي لحقوق الإنسان"، واستكملت الإدارة القانونيّة في الجامعة هذا المشروع ووزّعته على الدّول الأعضاء.

ثمّ عادت اللّجنة العربيّة لصياغة مشروع جديد أثناء اجتماعها الخامس الذي انعقد بتونس في الشهر الثّالث من سنة 1985، آخذة بعين الاعتبار ما سبق أن قدمته من ملاحظات هذه الدّول. غير أنّ مجلس جامعة الدّول العربيّة رفض هذا المشروع على الرّغم من تأكيد هذه اللّجنة، في اجتماعها الذي انعقد بتونس في 17جانفي 1986، على أهميّة هذا المشروع.

وعرضت أخيرا اللّجنة العربيّة الدائمة، وذلك سنة 1993، المشروع بصيغته النهائيّة على مجلس الجامعة والذي اعتمده في 15 سبتمبر 1994 بموجب القرار الصادر عن مجلس جامعة الدول العربية عدد 5437 المؤرخ في 15 سبتمبر 1994. ويتكون الميثاق من ديباجة وأربعة أقسام تحتوي على ثلاثة وأربعين مادّة.

جاء اعتماد هذا الميثاق بعد مرور قرابة نصف قرن على توقيع ميثاق القاهرة، بتاريخ 22 مارس 1945، والذي أنشأ جامعة الدّول العربيّة. ومن المفارقات أن تكون جامعة الدول العربية أوّل هيكل إقليمي يظهر للوجود وآخر من يعتمد وثيقة لحقوق الإنسان. ومن الغريب أيضا أنّ ميثاق جامعة الدّول العربيّة، لم ينصّ في أيّة مادّة من موادّه على حقوق الإنسان. ويرجع البعض ذلك  إلى أنّ حقوق الإنسان لم تكن تحظى آنذاك بالاهتمام الكافي من طرف واضعي ميثاق الجامعة، ولم يكن هناك إحساس بالحاجة وقتئذ إلى تأسيس هيأة أو لجنة مهمّتها حماية هذه الحقوق أو مجرّد إقرارها. كما أنّ ّ المجتمع الدّولي لم يكن مهتمّا، في تلك الفترة أي منتصف الأربعينيّات، بحقوق الإنسان، لانشغاله بوضع حدّ للحرب العالميّة الثّانية التي خلّفت الخراب والتّدمير، ونتج عنها القتل والتّعذيب والتّشريد. ويبقى هذا الرأي قابلا للنقاش وللدّحض. فتوقيع ميثاق الأمم المتّحدة، الذي جاء بتاريخ 26 جوان 1945 في مدينة سان فرانسيسكو، أي بعد ثلاثة أشهر من التّوقيع على ميثاق جامعة الدّول العربيّة، وما تضمّنه ميثاق الأمم المتّحدة من مواد تشير بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى حقوق الإنسان، يفنّد هذا الرأي ويؤكّد بصفة لا تدع مجالا للشك وجود وعي كامل بضرورة احترام حقوق الإنسان وحمايتها آنذاك.

      رغم تأخره كان ظهور الميثاق في صيغته القديمة هزيلا وقاصرا عن مواكبة المواثيق الدّولية لحقوق الإنسان.  وقد عزفت الدّول العربية لأسباب متباينة على التّوقيع أو التصديق عليه باستثناء جمهورية العراق وهي الدّولة الوحيدة التي وقّعت عليه بتاريخ 1996. وقد أجمع المهتمّون بحقوق الإنسان أنّ الميثاق في صيغته الأوّلية « ولد ميتا " لأنّ التحفّظات العديدة التي سجلتها عدّة دول قد أفرغته من مضمونه، وأدخلته في بعض الأحيان في تعارض واضح مع بعض ما جاء في المواثيق الدّولية التي وقّعت عليها الدّول الأعضاء.

    كما أثار الميثاق منذ صدوره عديد الملاحظات والانتقادات من جانب المهتمين والعاملين في مجال حقوق الإنسان سواء من حيث مضمون الحقوق التي نص عليها‏,‏ أو صياغاته العامة والمقتضبة‏,‏ أو غياب عدد من الحقوق عن نصوصه‏,‏ أو ضعف آلية الحماية الواردة به‏.‏ وأهم هذه الانتقادات أن الميثاق لا يرقى إلى مستوى المعايير والضمانات الواردة في الإعلان العالمي والعهدين الدّوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية أو حتى بأنظمة الحماية الإقليمية الأخرى لحقوق الإنسان‏.‏ كما أن الميثاق يعطي الحكومات العربية حق التحلّل من كلّ الحقوق المنصوص عليها‏,‏ حيث يجيز فرض قيود على الحقوق والحرّيات بما ينص عليه القانون في حالات الطوارئ‏(‏ مادة‏4‏ فقرة ب‏).‏

      ولم يتضمن الميثاق تعهّد الدول الأطراف باتخاذ الإجراءات التشريعية لإقرار ما ورد به من حقوق على غرار ما هو معمول به في نظيره الإفريقي أو المواثيق الأخرى‏.‏ ومن بين الانتقادات التي وجهت للميثاق أيضا ذلك التعميم الشديد واستخدام ألفاظ وتعبيرات غير واضحة وغير محدّدة على غرار النظام العام‏,‏ الصحة العامة‏,‏ الأمن والاقتصاد الوطنيين‏,‏ مما يعطي الدول والحكومات هامشا واسعا للتهرّب من تنفيذ التزاماتها واحترام الميثاق بسبب هذه المبرّرات.

    ورغما عن ذلك لم يحظ الميثاق سوى بتوقيع دولة عربية واحدة عليه‏,‏ رغم أن ثلثي الدول العربية قد صدّقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية واللّذان يضعان إلي جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معايير والتزامات أشدّ من تلك التي يثيرها الميثاق العربي لحقوق الإنسان.

   دفع تقاعس الدول الأعضاء عن التوقيع على الميثاق العربي لحقوق الإنسان،  باللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان إلى إصدار توصية خلال شهر جانفي 2001 في اتجاه حثّ الدول الأعضاء على التصديق على الميثاق. ثمّ صدر عن مجلس الجامعة قرار رقم 6089 في 12 مارس2001 تضمن توصية اللجنة .

    وخلال سنة 2002 صدر عن مجلس الجامعة قراران الأوّل رقم 6184، بتاريخ 10 مارس 2002 والثاني رقم 6243 بتاريخ 5 سبتمبر 2002، والذي طلب فيهما من الأمانة العامة للجامعة مخاطبة الدّول الأعضاء لتقديم ملاحظاتها ومقترحاتها بشأن تحديث الميثاق العربي لحقوق الإنسان. كما أحال المجلس موضوع تحديث الميثاق العربي إلى اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان بقصد دراسته، وإعداد تقرير عنه، ومن ثم إحالته إلى اللجنة الدائمة للشؤون القانونية قبل عرضه مجدّدا على مجلس الجامعة..

 و كلف مجلس جامعة الدول العربية بموجب قراره رقم 6302 –بتاريخ 24/3/2003، اللّجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان "بتحديث الميثاق العربي لحقوق الإنسان في ضوء الملاحظات والمقترحات الواردة من الدول العربية.

      حدّد الأمين العام لجامعة الدول العربية مفهوم "تحديث الميثاق" على أنّه العمل على أن يتوافق الميثاق العربي لحقوق الإنسان المقترح مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وعدم التناقض معها.

     واعتبارا لأهمّية الموضوع ودقّته، عهدت اللّجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان بدورها مهمّة تحديث الميثاق إلى لجنة يشارك فيها خبراء حكوميون في مجال حقوق الإنسان وخبراء قانونيون كلّفت بإعادة صياغة الميثاق على ضوء ما تقدّمه الدّول الأعضاء والمنظمات العربية ذات العلاقة من اقتراحات،  وذلك بشكل يجعله يستجيب لتطلّعات الشعوب العربية ويتلاءم مع المعايير الدّولية وينسجم مع مضامين الحضارة العربية الإسلامية.

  وتوازيا مع ذلك وسعيا لمعاضدة مجهودات أعضاء اللّجنة ومساعدتها للقيام بمهمّة التحديث التي أنيطت بعهدتها، وفي إطار مذكرة النوايا الموقعة بين جامعة الدول العربية ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في أفريل 2002، تمّ الاتفاق بين الطرفين على تشكيل فريق من الخبراء العرب، يتمّ اختيارهم من بين أعضاء هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان توكل لهم مهمّة تقديم مقترحات لتحديث الميثاق حتى تستأنس اللّجنة بها عند صياغتها لنص الميثاق المستحدث. وعُرض هذا الموضوع رسمياً على اللّجنة العربية الدائمة في دورتها الاستثنائية الثانية خلال شهر اكتوبر 2003. وقد أبدت اللّجنة موافقتها على ذلك على أن تأخذ ملاحظات هؤلاء الخبراء العرب على سبيل الاستئناس، مؤكدة بذلك موقف الأمين العام الذي عبّر عنه في الرّسالة التي وجهها للمفوض السامي في 31 جويلية 2003.

     رغم عدم تنصيص ميثاق الجامعة على أيّ دور للمجتمع المدنيّ وتغييبه عن هياكل الجامعة وأجهزتها، لم تقتصر المجهودات المبذولة في عملية وضع الميثاق وتحديثه على الأمانة العامة لجامعة الدّول العربية واللّجنة العربيّة الدائمة لحقوق الإنسان والخبراء العرب إذ لعبت المنظّمات العربيّة غير الحكوميّة، دورا هاما وفعّالا في الدّعوة إلى اعتماد وثيقة قانونيّة عربيّة تحمي حقوق الإنسان وحريّاته الأساسيّة، وذلك أسوة بالوثائق الدوليّة والإقليميّة التي اعتمدتها مختلف المنظّمات الدوليّة والإقليميّة في العديد من قارات العالم.

     فكان أن نوقشت لأوّل مرّة فكرة اعتماد اتفاقيّة عربيّة لحقوق الإنسان في اجتماع للمحامين العرب الذي انعقد بدمشق عام 1960. كما صدرت توصية عن أوّل مؤتمر عربي لحقوق الإنسان انعقد ببيروت من 2 إلى 10/12/1968، وجّهت إلى اللّجنة العربيّة الدائمة لحقوق الإنسان، بضرورة اعتماد ميثاق عربي لحقوق الإنسان.

     جاءت إذا، مبادرات مختلف مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية، وفي مقدمتها المنظمات العربية غير الحكومية، للمشاركة في الجهود التي تبذل على صعيد الحكومات العربية لتحديث هذا الميثاق ولتقديم مساهماتها بقصد أن يخرج الميثاق العربي الجديد مواكبا لما اتفق عليه المجتمع الدولي من معايير أساسية خاصة بحماية حقوق الإنسان والإقرار بعالميتها، ومن دون تجاهل الخصوصية العربية.

     وفي هذا السياق، نُـظمت عدة لقاءات إقليمية على مستوى منظمات المجتمع المدني للتّحسيس والتّوعية في كلّ من صنعاء والقاهرة وتونس، ومن بينها اللّقاء الذي نظم في بيروت ما بين 10 و12 يونيو 2003، وشاركت فيه 36 منظمة غير حكومية، و11 منظمة دولية و15 خبيرا مستقلا، و7 خبراء حكوميين وبرلمانيين.

         وقد صدر عن الاجتماع الذي عُـقد في العاصمة اللبنانية "إعلان بيروت"، الذي تضمن تحفظات بشأن اعتماد الدول العربية للميثاق في شكله الحالي والمطالبة بالعمل على إدخال إصلاحات جذرية وشاملة عليه.

      وفي هذا الإطار تلقّت اللّجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان ملاحظات كتابية من عديد المنظمات، بالإضافة إلى ملاحظات كتابية وردت من منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية للحقوقيين. وتجدر الإشارة إلى أنّ المذكرة التي استلمتها اللجنة من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان كانت موقّعة من طرف 31 منظمة غير حكومية من مختلف البلدان العربية.

2- تحديث الميثاق : العوائق والتحديات:

      إنّ أي عملية تحديث هي مسار معقّد تتفاعل فيه عدّة عوامل خارجية وداخلية تتنازع بين توجّه يجعل من أي انفتاح وكأنها عملية خيانة لمجموعة من المقدسات والمطلقات، وقد أدى هذا التوجه إلى اعتماد مفهوم متشدّد للهوية يقوم على الانغلاق وبين توجه يرغب لعدة أسباب اختياريا أو اضطراريا في الإصلاح والبحث في أدواته.

      بين هذين التوجهين كان لزاما على أعضاء اللّجنة العربية الدّائمة لحقوق الإنسان ومن ورائهم الأمانة العامة لجامعة الدّول العربيّة وعلى رأسها الأمين العام الحالي السيد عمرو موسى الذي تبنّي عدّة مبادرات لتشجيع التّواصل مع المجتمع المدني إيمانا منه بمفاهيم المشاركة وحقوق الإنسان، إيجاد سبل لتجاوز العقبات والصعوبات لرفع التحدّيات التي يفرضها الظرف التاريخي الرّاهن على السّاحة العالمية بصفة عامة والعربية بصفة أخصّ‏.‏

     ولم تكن المهمّة سهلة ولا هيّنة اعتبارا لوجود عدّة عوائق جوهرية كان من الضروري العمل على تجاوزها.

     بعيدا عن الأسباب السّياسيّة والتاريخيّة والاجتماعية التي يضيق المجال للخوض فيها والتي تستدعي تحليلات عميقة، يمكننا الإشارة إلى أهمّ العوائق التي كانت تعرقل عملية تحديث الميثاق ومن بينها أساسا عدم القدرة على حلّ المشاكل والنزاعات الداخليّة واستمرار الصراعات على الحدود.

– وجود نقص كبير في إقامة عمل عربيّ فعّال مشترك في مختلف المجالات السّياسّية والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة حال دون التوصّل إلى إقامة منظومة شاملة لحقوق الإنسان في المنطقة العربيّة على غرار بقيّة الأقاليم رغم مساعي أمانة الجامعة.

- قصور في تفعيل المشاركة الواسعة في اتخاذ القرار والاستفادة من ديناميكيّة المجتمع وقواه الحيّة.

 - المواقف الحكومية العربية المعارضة أو المترددة من الميثاق والاختلافات الجوهرية في المواقف والرّؤى بين بعض الدّول في العديد من المسائل ذات العلاقة بحقوق الإنسان السياسية منها والمدنية وبخاصة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

- هيمنة بعض وجهات نظر البلدان العربية التي توحي بالتناقض بين الإسلام وحقوق الإنسان‏,‏

منذ الشروع في عملية تحديث كان الجميع يشعر بثقل التحديات الجسام سواء منها المتعلقة بالوضع السياسي العام الذي يمرّ به الوطن العربي أو بما ستتضمنه هذه الوثيقة العربية لحقوق الإنسان في حدّ ذاتها كإجابة عن عدّة تساؤلات تطرحها الساحة السياسية العربية والعالمية حول مستقبل الأمّة العربية. وقد كان من الضروري اختيارا أو اضطرارا العمل على رفعها . ومن بين هذه التحديات يمكن لنا أن نذكر :

أ- على صعيد الوضع السياسي العربي:

- ضرورة تفاعل الوطن العربي مع ما يدور حوله من تقدم وتطور في مختلف المجالات والعديد من الميادين. والتحدي الجديد/القديم هو تعزيز حقوق الإنسان وتأمين حمايتها، والتربية على المواطنة والديمقراطية، وتطبيق التعددية وحرية التعبير، وقبول الرأي الآخر، وبكلمة واحدة قيام نظام عربي لحقوق الإنسان تعترف به وتساهم فيه كل الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، مع إفساح المجال لمؤسسات المجتمع المدني في مختلف هذه الدول بالمشاركة في تأسيس هذا النظام العربي ودعمه والدفاع عنه أيضاً.

- الوعي بالضغوط التي تمارس من بعض الدول العظمى بدعوى إقرار الديمقراطية في العالم العربي وبدعوى أن انتشار ما تسميه بالإرهاب يجد أحد أسبابه في غياب الديمقراطية وشيوع الاستبداد‏.‏ وهو ما كان له تأثير واضح على الجوّ العام التي دارت فيه أعمال تحديث الميثاق داخل وخارج اللجنة. فالحكومات العربية تتحرك في إطار عولمة مهيمنة توزع الأدوار وتتحكم في أحيان كثيرة في القرار السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي وهي جزء من علاقات دولية أصبحت فيها حقوق الإنسان والديموقراطية معطى أساسيا.

 - الضغوط التي كانت تمارسها منظمات المجتمع المدني باعتبارها جزء من حركية دولية أصبحت فيها المنظمات غير الحكومية ذات تأثير لا يمكن نكرانه في صناعة القرار، كما تربطها شبكات كبيرة تتدخل في مختلف مجالات الحياة. وقد ساهمت حركات حقوق الإنسان الدولية في دعم نشوء منظمات المجتمع المدني العربية وساعدتها على إبلاغ صوتها على المستوى الدولي ودعمتها بشكل كبير.

ب-على مستوى مضمون الميثاق

- يأتي الميثاق العربي لحقوق الإنسان، كوثيقة إقليمية، بعد مرور 55 سنة من تبنّي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهى فترة طويلة نسبياً شهدت خلالها معايير حقوق الإنسان على المستويات الدّولية والإقليمية تطوراً هائلاً. وبناء عليه، كان من الضروري أن تستجيب عملية التحديث لدواعي التطور في المعايير والآليات التي تضمن تعزيز احترام حقوق الإنسان فيها.

- إن الهدف الأساسي من إقرار المواثيق الإقليمية هو تحقيق الإضافة التي تستطيع أن تثرى الجهد الدولى، وأن الخصوصيات الثقافية والحضارية، كما عبرت عنها وثيقة وبرنامج عمل فيينا (1993) ووافقت عليها الحكومات العربية هى لإثراء المعايير الدولية.

- ضرورة أن يكون الميثاق العربي وثيقة صالحة لزمن طويل، وليس للوقت الراهن فحسب، وأن يضمن حقوق الإنسان للأجيال القادمة.

- ضرورة إعادة النظر في الميثاق وإعادة تكييفه بما ينسجم والمعايير الدّولية لحقوق الإنسان وسدّ الثّغرات والنّقائص المؤثّرة في التّوازن العامّ لنّصّ مشروع التحديث المقترح، وتأمين الملائمة المنشودة بين مشروع الميثاق ومستويات الحماية الدولية وذلك تمهيدا لوضع اتفاقية عربية لحقوق الإنسان ‏ تنسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والمواثيق التي صدقت عليها الدول العربية‏

- إن تصديق معظم الدول العربية على مختلف الاتفاقيات الدولية على غرار العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيتى مناهضة التعذيب، والقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، كما صادقت جميعها (عدا واحدة) على الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، يجعلها بدون شك ملزمة بها ومقرة في ذات الوقت بالمبدأ القائل بأن جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة فيما بينها، كما تم التأكيد عليه وإقراره في الإعلان و في خطة عمل فيينا الصادرين عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بفيينا سنة 1993.

-أهمية الانطلاق فى صياغة الميثاق من الحقوق والحريات غير القابلة للتصرف المتفق عليها دولياً والتي حددتها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان فى تعليقها العام رقم 29 بشأن عدم التقيد بأحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أثناء حالات الطوارئ. فالانطلاق من تلك الحقوق والحريات يضمن ان يشمل الميثاق الحقوق والحريات الأساسية التي لا تستقيم من دونها أية وثيقة دولية أو إقليمية أو وطنية تعنى بحقوق الإنسان.

- الحرص على إعطاء الميثاق العربي مكانة مرجعية في المنظومة الدولية المقارنة لحقوق الإنسان وجعله يبادر بالتأسيس لحقوق ذات أهمية بالغة لدى الدول والمجتمعات العربية، مما يحتاج إلى توجيه عناية خاصة لقضايا لم يتمّ بلورتها وإقرارها بشكل كاف في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدّوليّة والإقليمية الأخرى ذات الصلة.

انطلاق عملية التحديث

  عند انطلاق عملية التحديث من قبل أعضاء اللجنة العربية ومن بينهم خبراء حكوميين في مجال حقوق الإنسان وقانونيين بدا واضحا إصرار البعض انطلاقا من شعورهم بثقل المسؤوليّة التاريخيّة الملقاة على كاهلهم، على تجاوز الشعور بالإحباط لوجود اختلافات جوهرية للتوصل إلى الانتهاء من عملية تحديث الميثاق بشكل يستجيب لمقتضيات الظرف الراهن ولتطلعات المواطن والشارع العربي. كما كان للدّور الإيجابي الذي قامت به الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والسكريتيريّة الخاصة باللّجنة ومن ورائهما الأمين العام للجامعة، أثر كبير لدفع الدّول الأعضاء على استكمال أعمال تحديث الميثاق وتأثير واضح وإيجابي على سير أعمال اللّجنة، حيث نجحت بفضل تظافر جهود كافة الوفود المشاركة وبفضل ما اتّسمت به أعمالها من روح الجدّية ومن عزم واضح على إنجاح مهمّتها،  في تجاوز العوائق والاختلافات التي كانت تبدو في الكثير من الأحيان غير قابلة للتسوية وتوصّلت إلى حدّ بعيد إلى إيجاد صيغ توفيقية للعديد من مواد الميثاق التي استدعت نقاشات مطوّلة ومضنية في بعض الأحيان.

وقد استند أعضاء اللجنة خلال أعمالهم التي امتدّت على مدى عدّة أشهر على ملاحظات الدول الأعضاء التي تلقتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى استرشادهم بالمواثيق الدولية وبمواثيق واتفاقيات إقليمية أخرى كالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان وإعلان القاهرة لحقوق الإنسان. كما استأنسوا بالمقترحات والآراء الصادرة عن المنظمات العربية والدولية غير الحكومية و عن مفكرين وخبراء وقانونيين عرب ودوليين. كما استمعوا ولو في مناسبات قليلة إلى آراء بعض ممثلي المنظمات التي واكبت من حين لآخر أعمال اللجنة على غرار المعهد العربي لحقوق الإنسان ، المنظمة العربية لحقوق الإنسان ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، المركز اليمني للتوثيق والمعلومات والتدريب في مجال حقوق الإنسان، اتحاد المحامين العرب ، المركز العربي للتربية على القانون الدّولي الإنساني وحقوق الإنسان.

 وهنا لا يفوتنا الإشارة إلى العمل الجبار والدّور الإيجابي جدّا الذي قام به خبراء المفوضية السامية لحقوق الإنسان والذي كان دافعا أساسيا نحو تطوير الميثاق وتغليب الشق الذي يدعو إلى مواءمة الميثاق إلى أبعد الحدود مع المواثيق الدّولية بل وإعطائه مكانة مرجعية في المنظومة الدولية والإقليمية على الشق الداعي إلى الانغلاق بدعوى المحافظة على الهوية والخصوصية. فقد كان للملاحظات الكتابية منها والشفاهية التي تقدم بها هؤلاء الخبراء الوقع الإيجابي للدفع بعملية التحديث إلى الأمام معاضدين في ذلك سعي ممثلي بعض الدول الأطراف في اللجنة الذين كانوا يسعون جاهدين إلى تحقيق معادلة بدت صعبة في بعض الأحيان بين تطلعات حكوماتهم الداعية في أغلبها إلى التقييد وبين تطلعاتهم الشخصية في هذا المجال والتي تقتضيها عملية التطوير والبحث عن المواءمة من جهة وبين توجه يدعو للانغلاق وآخر لا يعترف بالخصوصية وآخر أيضا هارب نحو الأمام,

    رغم وجود عديد العوائق التي كانت تبدو كفيلية للحيلولة دون الوصول إلى صيغة نهائية مستحدثة للميثاق ومتفق عليها من طرف الجميع، فقد نجحت اللّجنة خلال شهر جانفي 2004 في اعتماد صيغة نهائية دون تسجيل تحفظات من أي طرف على أية مادة من مواد الميثاق. وهو ما اعتبر إنجازا هاما لم يكن يحلم به كلّ من واكب النقاشات المطوّلة والمضنية التي كانت تدور بين أعضاء اللجنة والتي كانت تستدعي اللجوء من حين لآخر إلى تكوين لجان مصغرة للصياغة بحثا عن حلول توفيقية تستدعي في كثير من الأحوال تقديم تنازلات من ذلك الطرف أو الآخر.

    إثر انتهاء اللجنة من أعمالها تولت إحالة المشروع إلى اللجنة القانونية الدائمة بالجامعة التي قامت بدورها بإحالته على مجلس الجامعة لاقراره كبند من بنود أعمال اجتماع القمة لجامعة الدول العربية في دورتها السنوية.

      وقد تمّ خلال اجتماع القمّة لجامعة الدّول العربية في دورتها السادسة عشر المنعقدة بتونس يومي 22 و23 ماي 2004 اعتماد مشروع الميثاق العربي لحقوق الإنسان بموجب القرار عدد 270 المؤرخ في 23ماي 2004 .

لكن ما الجديد في نص الميثاق المستحدث وهل نجحت اللجنة فعلا في المهمة التي أنيطت بعهدتها وفي تجاوز العوائق ورفع التحديات المطروحة عليها. هذه التساؤلات سأحاول الإجابة عنها من خلال قراءة سريعة للميثاق المعتمد .

قراءة في الميثاق المستحدث

     لعلّ قراءة سريعة في مواد هذا الميثاق الذي يضمّ ديباجة و53 مادة،  تجعلنا نعتقد جازمين بعيدا عن كلّ المزايدات السياسية، أنه يشكّل قفزة نوعية بالمقارنة مع الصيغة الأوّلية للميثاق وخطوة هامة بالنسبة إلى المواثيق والمعايير الدولية ذات العلاقة بحقوق الإنسان. فالميثاق في صيغته الحالية حقّق بلا شكّ تطوّراً ملموساً عن نصّ الميثاق السابق الصادر سنة 1994 وكذا عن المشروع الأوّلي الصادر عن اللّجنة نفسها قبل أن يقع تعزيزه بالعديد من المقترحات الجديدة التي تقدّ مت بها الوفود المشاركة وكذلك بالتوصيات الإيجابية التي تضمّنها مشروع لجنة الخبراء العرب الذي جاء في إطار مذكرة النّوايا الموقّعة بين جامعة الدول العربية ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في أفريل 2002.   

تتجلّى أهم أوجه التطوّر الذي تحقّق من خلال الصياغة الجديدة للميثاق في مواضع عدّة، أوّلها استحداث العديد من المواد الجديدة التي أقرّت حقوقا تمّ تجاهلها في السابق، وثانيها تعزيز وتدعيم عدد من الحقوق والضمانات التي تمّ التنصيص عليها سابقا لكن بصورة محتشمة وضعيفة، وأخيرا إقرار بعض الحقوق التي لم يقع التنصيص عليها في السابق لا فقط بالميثاق القديم ولكن كذلك في بقية المواثيق الدولية والإقليمية ذات العلاقة بحقوق الإنسان.

       جاءت إذا الصيغة الجديدة للميثاق معزّزة للعديد من الحقوق والضمانات على غرار الحقّ في تقرير المصير الذي أضيف إليه الحقّ في مقاومة الاحتلال الأجنبي والحقّ في التنمية،  والحق في التمتع بالحقوق والحرّيات المنصوص عليها دون أيّ تمييز، وتحديد الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها في حالات الطوارئ الاستثنائية ( مادة 4)،  وحماية القانون للحق في الحياة،  وعدم جواز الحكم بالإعدام إلاّ في الجنايات بالغة الخطورة ( مادة 6 )، وحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة أو الحاطّة بالكرامة ( مادة 8) واعتباره جريمة غير قابلة للسقوط بالتقادم، وإقرار حق الضحية في ردّ الاعتبار والتعويض ( مادة 8 )، وعدم جواز الاتّجار بالأعضاء البشرية بأي حال من الأحوال( مادة    9 )، وحظر الرقّ والاتّجار بالأفراد، ومنع  السخرة والاتّجار من أجل الدعـارة أو الاستغلال الجنسي للأطفال أو استغلالهم في النزاعات المسلّحة ( مادة 10 ) ، والمساواة بين جميع الأشخاص أمام القانون دون ميز ( مادة 11) وحقّهم  في التمتّع بحمايته.

- كما تضمّن المشروع موادّ جديدة تعزز مبدأ استقلال القضاء بالتنصيص على حماية القضاة من أيّ تدخل أو ضغوط أو تهديدات ( مادة 12 ) وعلى الحق في المحاكمة العادلة ( مادة 13 و16 ).

كما تمّ تعزيز النصّ الجديد بإقرار ضمانات الحرّية و والأمان الشخصي باعتماد حق كلّ شخص موقوف في طلب الفحص الطبي وإبلاغه بذلك( مادة 14 ) وبإقرار الحقّ في نظام قضائي للأطفال ( مادة 17 )، وفي تمكين الأطفال من اكتساب جنسية الأم "بما يتّفق مع التشريعات الداخلية وإقرار حقوق ذوي الإعاقات.

        وفيما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، نصّ الميثاق على ضمان حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة والتي كان الميثاق يتجاهلها تماماً. كما أقرّ تعزيز مبادئ حرّية الرأي والتعبير وتمّ التأكيد صلب الميثاق المعدّل على العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتعزيزها كالحق في التعليم والتعلّم مدى الحياة والحق في العمل. ومن جهة أخرى، اعتبر العديد من الخبراء أن الميثاق العربي لحقوق الإنسان رائد في مجال ضمان الرّعاية الصحية للمواطنين.

كما تجلت أوجه التعزيز والتدعيم من خلال التنصيص على العديد من الحقوق الجديدة التي لم يتعرض لها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على غرار: