حالة حقوق الشعب الفلسطيني

ساما عويضة

مديرة مركز الدراسات النسوية في القدس

المنسقة العامة لمنتدى النساء العربيات-عايشه

 

عندما وصلتني الدعوة للمشاركة في هذه الندوة، كنت منشغلة في توثيق جزءا من ذاكرة الاجتياح...فقد كان  مركز الدراسات النسوية قد أنهى دراسة ميدانية ذات منحى تغييري Action Oriented Research حول أوضاع النساء الفلسطينيات إثر صدمة الاجتياح الإسرائيلي للمناطق المحتلة...وقد تناولت الدراسة فيما تناولت بعض المقابلات المعمّقة التي أجراها فريق البحث الميداني مع عينة من النساء اللواتي عانين من صدمة الفقدان التي تسبب فيها الاجتياح العسكري الغاشم للمناطق...وقد كان علي أن أفرّغ جزءا من هذه المقابلات وصياغتها على شكل قصص قصيرة كان لا بد لنا من أن نضيفها كملحق للدراسة في محاولة لنقل حقيقة ما جرى من وجهة نظر النساء أنفسهن...

لقد كانت تلك المهمة التي أوكلت لي من أصعب المهام التي واجهتها في حياتي، فقد كان علي أن اقرأ مقابلات معمّقة تناولت كل كلمة وكل همسة همست بها تلك النساء، بل حتى كل تعبير بدر عنهن، حيث كان على فريق العمل الميداني أن ينقل ذلك بدقة...

كم كان صعبا علي أن اقرأ ما حدث بذلك التفصيل، وكم كان صعبا علي أن أعيد كتابته كباحثة محيدّة كل مشاعري في محاولة لنقله بالحياد التام الذي جاء فيه...كم كان صعبا علي أن لا أتفاعل مع تلك الأحداث رغم قساوتها، أن أسيطر على مشاعري حتى أتمكن من الإمساك بالقلم ...

لقد تطلب مني هذا العمل أياما طويلة، حيث لم أستطع أن أكتب أكثر من قصة واحدة في كل يوم أمسكت فيه القلم، وحيث كان علي وبعد قراءتي لكل مقابلة أن أحاول أن أجيب على العديد من الأسئلة التي كانت تطاردني واضعة إياي في حالة من الذهول كلما عجزت عن الإجابة عليها...

كيف صمدت هؤلاء النساء؟!... وكيف أنهن ما زلن على قيد الحياة؟!...كيف يعشن اليوم وعائلاتهن؟!...كيف استطاع هؤلاء الأطفال أن يصمدوا؟!...كيف استطاع الحقد أن يتغلّب على إنسانية الجنود؟!...كيف استطاع العالم أن يتجاهل كل ما حصل؟!...كيف يستطيع السياسيون والإعلاميون أن يتعاملوا مع ما حدث في بعديه السياسي والعسكري فقط متجاهلين البعد الحقوقي لشعب فقد كل مواطن فيه كما فقدت كل مواطنة فيه أبسط حقوق الإنسان التي لم يعد إثنان يختلفان حولها؟!...كيف وكيف وكيف؟ أسئلة سكنتني، وتملّكت كل أحاسيسي فكادت أن تسقط القلم من يدي أكثر من مرّة لولا وفائي لأبطال وبطلات تلك المقابلات الذي أبى إلا أن يذكرني بواجبي تجاه ذلك وحتى لا أكون من جملة من تناسوا أو غفلوا تلك الحقوق...

إذن فقد وصلتني تلك الدعوة وأنا في ذلك الخضم من العذاب...فكان علي أن أكتب مداخلتي متأثرة بهم وبهن لا محالة، حيث أصوات الطفل نور الذي فقد أخويه وأطرافه معا في انفجار غادر يرن في أذني، وحيث تحتفل طفلة الشهيدة بعيد الأضحى في  غياب أمّها بينما تؤكد بأنها كانت معها في محاولة للهروب من واقعها...وحيث توجهت "أم حكم" لقراءة الفاتحة على قبر ابنها الشهيد في حين تنبؤها مشاعرها بأنها ستفقد ابنها الثاني في ذات اليوم، والذي كان قد سلّمها أماناته البسيطة وطلب منها أن تنتظره عند القبر ليشاركها قراءة الفاتحة وبشعور الأم عرفت بأنها ستقرأ الفاتحة على الاثنين معا...وحيث ارتجفت سناء قبل أن تستطع أن تحدثنا عن حريق البيت الذي أخذ معه كل الذكريات دون أن ينسى أن يأخذ الشعور بالأمان معه ليعيدها طفلة صغيرة تبحث عن حضن أمها وتحاول أن تجد له بديلا في وقت ما زال فيه أطفالها بحاجة لحضنها هي...وعن الحاجّة المسكينة التي منعت أولادها من الخروج لإنقاذ أباهم الجريح في مخيم جنين حتى لا تدفنهم الثلاثة معا، فكان عليها أن تختار المر بدلا من الأمرّ...وعن والدة الاستشهادية آيات الأخرس التي ما زالت تبحث عن إجابة لسؤال لم يفارقها منذ استشهاد أيات "لماذا ضحّت آيات بشبابها وجمالها وخطيبها الذي كانت تحب؟!"... وعن وعن وعن...

كان علي أن لا أنسى كل هؤلاء وأنا أكتب عن حالة الشعب الفلسطيني كحالة شعب يناضل من أجل حقوقه...لأن هؤلاء هم العينة التي ارتأيت بأن نبدأ من عندها، وهم الذاكرة التي علينا أن نوثقها...

حاولت أن أراجع بعض المواثيق الدولية سواء تلك المتعلقة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، أو تلك المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي والذي يتعلق بحقوق الشعوب والأفراد في حالات النزاعات المسلحة علّني من  عندها ابدأ في تصنيف انتهاكات حقوق الشعب الفلسطيني بالاستناد عليها، إلا أنني ما لبثت أن توقفت بعد وهلة قصيرة معلنة بأنني سأرهق نفسي كما سأرهقكم/ن بذلك فكل حقوق شعبي منتهكة حتى الأساسي منها...

ولكن علي أن ابدأ، فمن أين ابدأ؟!...هل ابدأ من حيث كان وعد بلفور الشهير والذي انتهك أول حق من حقوق الشعب الفلسطيني عندما تم تجاهل وجود ذلك الشعب فكان ذلك الوعد البريطاني الذي ما لبث أن بورك على أكثر من صعيد دولي إلى أن كان الاعتراف بقيام دولة إسرائيل في الأمم المتحدة تعبيرا صريحا عن مباركة هذا الوعد، ولشطب حق تواجد هذا الشعب على أرضه، ولشطب حق هذا الشعب بتقرير مصيره مقابل مصالح سياسية ضيقة لا تعبّر أبدا عن مصالح أي شعب أو مصلحة أي إنسان مهما غلّفوها ومهما قالوا عنها ومهما سوّقوها كمنقذ للجماعات اليهودية من المذابح التي ارتكبت بحقّه والتي لم يكن للشعب الفلسطيني أي دور فيها فلماذا كان عليه أن يدفع ثمنها...ولماذا كل تلك التسهيلات التي أعطيت لهذه الدولة الناشئة والتي دخلت الأمم المتحدة متمرّدة على قوانينها فلم تسلّم خرائطها ولم تحدد حدودها كما ينبغي عليها أسوة بكل الدول المنضمة للأمم المتحدة، والتي ستمرت بتماديها حتى اليوم ضاربة عرض الحائط بكل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ابتداء من رفضها لتنفيذ القرارا 194 والخاص بعودة اللاجئين مرورا بالقرارات 338 و 242 والمتعلقة بضرورة انسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967  وهكذا، علما بأن القرارين الأخيرين صادرين عن مجلس الأمن ومن المفترض أن قرارات مجلس الأمن قرارات ملزمة للبلدان المنضوية في عضوية الأمم المتحدة... مما يؤكد الفرضية التي انطلقت منها وهي أن سلب حقوق الشعب الفلسطيني لم يأت لحماية أي حقوق إنسانية أخرى وإنما لحماية مصالح سياسية مختلفة سعى أصحابها وما زالوا يسعون من أجل حمايتها عبر حماية دولة إسرائيل التي ما زالت تتنصل وتتهرب من تنفيذ الشرعية الدولية...

إذن فلقد كان علي أن ابدأ من هناك لأمرّ على عدة محطات سلبت فيها حقوق الشعب الفلسطيني بتواطؤ دولي كفلته القوى المتنفذة في العالم لا سيما في وضع تحوّل فيه العالم إلى نظام القطب الواحد أو كما أحب أن أسمّيه "نظام اللا نظام"...وما ترتب على ذلك من مواقف سياسية عديدة سعت وتسعى من أجل حماية مصالح سياسية مبنية على تحالفات سياسية عديدة استطاعت في مجملها أن تحوّل قضية الشعب الفلسطيني من قضية دولية عامة كان من المفترض أن يتم التعامل معها وفقا لمبادىء الشرعية الدولية إلى قضية يتم التعامل معها عبر مبدأ التسوية من خلال التفاوض السياسي ما بين الطرفين وبرعاية قوى مهيمنة ما زالت تضع نصب أعينها حماية مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل...ولن أتناول هنا بالتفصيل المراحل التي مرّت بها هذه التسويات ابتداء من اتفاقية أوسلو والتي وقعّت ما بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية وانتهاء بمبادرة جنيف والتي كان مرسوما لها أن تتوج كاتفاقية لولا الرفض الذي عبّر عنه الشعب الفلسطيني لهذه المبادرة...والتي وإن كنت أتفق مع بعض المحللين السياسيين حول تضمنها لبعض الإيجابيات إلا أنني أختلف معهم جميعا من حيث أنها عملت كما عملت جميع التسويات الأخرى على محاصرة القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني واستطاعت أن تحرف مسار القضية من مسار حقوقي دولي إلى مسار تسويات خارج عن إطار الشرعية الدولية وهنا تكمن الخطورة، حيث أنه ومن المعروف بأن أي تسوية إنما تخضع لموازين قوى تتعلق بالأطراف المتنازعة، وتلك الموازين لم تكن حتى الآن لصالحنا مما جعل جميع هذه التسويات تؤدي إلى العديد من التنازلات والتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني التي تقرّها الشرعية الدولية بالإضافة إلى إفقاد الاتفاقيات التي عبرّت عنها تلك التسويات إلى أي إلزامية تطبيق، حيث استطاعت إسرائيل أن تتنصل حتى من تطبيق تلك الاتفاقيات التي سعت إليها كلما استطاعت أن تميّل كفة موازين القوى إلى صالحها لكي تفرض مزيدا من التنازلات على الشعب الفلسطيني...

وهنا كان لا بد لي أن أختار ما بين مسارين، المسار الأول يتعلق بسرد تاريخي لتلك التسويات وما تضمنته من تفريط بحقوق الشعب الفلسطيني، والمسار الثاني يتعلق بنقل المشهد الفلسطيني كما هو على أرض الواقع وما آل إليه الوضع من مساس بحقوق الشعب الفلسطيني....ونظرا لأن الجانب الأول قد تم إغناءه نظريا عبر

العديد من الكتابات والتحليلات السياسية، فقد آثرت أن أتناول المسار الثاني، سيما وأنني أعيش هذا المشهد واتأثر به، ولقناعتي بأن هذا الجانب الحي هو الجانب الذي لم يجر حتى الآن التركيز عليه بالشكل المطلوب الذي يمكّن من إعادة قضية الشعب الفلسطيني إلى قضية حقوقية تتعلق بحقوق شعب يتم سلبها يوميا وبتواطؤ كبير من العديد من الأطراف الدولية التي تشكّل حالة استمرار النزاع الفلسطيني الإسرائيلي لها مناخا ملائما لتمرير مصالحها في المنطقة...

وفي محاولتي لنقل المشهد الفلسطيني فقد  كان لا بد أن ابدأ من نقل صور حيّة لتعبّر عن واقع هذا المشهد:

الصورة الأولى: صورة الطوابير اليومية التي تقف على العديد من الحواجز العسكرية للتنقل ما بين المناطق بهدف العمل أو هدف الدراسة أو العلاج أو حتى التواصل الاجتماعي ما بين الناس...وهنا رأيت أنني عاجزة فعليا عن نقل تلك الصورة بكل ما تحتويه من إذلال وانتهاك لكرامة الشعب الفلسطيني، حيث أنّ ما يجري على تلك الحواجز ابتداء من وقت الانتظار الذي قد يطول لعدة ساعات مرورا بالمعاملة اللاإنسانية التي يتم التعامل بها مع الفلسطينيين وإنتهاء بإغلاق الحاجز الفجائي الذي يعني عدم السماح في بعض الأوقات نهائيا للناس بالمرور بعد انتظار طويل أكبر من أن تنقله بعض الكلمات، وللكشف عن ذلك كان لا بد أن أنقل صورة واحدة قد لا تتضمن جميع ما يقع ولكنّها قد تكون قادرة على توصيل فكرة انتهاك كرامة الشعب الفلسطيني، وإنكار إنسانيته، وهنا سأنقل لكم مشهد لفلاحة فلسطينية على حاجز قلنديا عايشت مسلسل إذلالها بل إذلالنا جميعا كنتيجة لعدم تمكننا من حمايتها...حيث كانت الفلاحة تحاول أن تقطع الحاجز الذي يفصل ما بين رام الله والقدس للوصول إلى قريتها وهي محملة ببعض المشتريات التي قامت بشراءها لبيتها...فبعد فترة من الانتظار وتحملها لنقل ما تحمل قام الجندي بإعادة سلتين مما تحمل إلى نهاية الطابور، فيما قامت هي بالعودة حتى نهاية الطابور لإحضارها لتجد بأنه قد نقل لها ما تركته في أول الطابور إلى نهايته، وبعد عدة جولات متكررة لم تعد الفلاحة قادرة على التحكم بأعصابها احتجّت لفظيا على ما يقوم به فما كان منه إلا أن دفعها مما تسبّب بوقوعها أرضا في وقت لم نستطع فيه أن نفعل شيئا سوى بعض التمتمات والمسباّت الخجولة بصوت منخفض، وفي محاولة يائسة مني قمت بالاتصال فورا بمؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية والتي وبعد نقاش معهم وجدت بأنهم معنيين بالتوثيق أكثر من التدخل الفوري الذي كنت أبحث عنه في لحظة الشعور بالألم والمهانة...

الصورة الثانية: تتعلق بصورة العديد من الأسر التي تمّ هدم بيوتها أو إحراقها عبر عمليات الاجتياح التي أصبحت متكررة بحجة أهداف أمنية عديدة تهدف بمجملها لحماية دولة إسرائيل، وأكاد كما يكاد غيري لا يجد مبررا لهدم بيت وتشريد أسرة تعيش في عمق المناطق الفلسطينية لحماية مصالح دولة إسرائيل، وهنا لا بد لي من التطرق لقصة سناء جعارة من مخيم بلاطة في نابلس، والتي أخبرتنا بأنها وأسرتها ولدى سماعهم لتحذيرات مكبرات الصوت والتي كانت تطالب أهل البناية البيضاء "حد تعبيرهم" بترك المبنى، لم يفهموا بأن بنايتهم هي المقصودة فكل البنايات بيضاء، وفي ذلك اليوم تحديدا وفي مخيم بلاطة لم تقع مواجهات بتاتا...وفي خلال دقائق معدودة كانوا فيها يستاءلون عن البناية التي كانت مقصودة بدأت القذائف تنهال على البناية، وبأعجوبة شديدة استطاعوا أن يخرجوا سالمين جسديا من المبنى ليدخلوا إلى داخل المخيم ويحتموا بأحد بيوته، وما هي إلا دقائق أخرى حتى سمعوا صوت مكبرات صوت أخرى، وفي هذه المرّة كانت مكبرات صوت تنبعث من داخل المخيم لتناشد شباب المخيم للمشاركة في إطفاء الحريق الذي شبّ في بناية عائلة جعارة في وقت لم تتمكن فيه سيارات الإطفاء من الوصول نتيجة للحواجز العسكرية التي منعتها، وفي وقت كانت المياه فيه مقطوعة عن المخيم، مما جعل الشباب يعملوا على نقل المياه من الآبار وبمعدات بسيطة لم تستطع أن تنقذ البناية، أو تنقذ حق سناء وعائلتها بالسكن أو حتى حقهم في ذكرياتهم التي تم إحراقها جميعا لحماية دولة إسرائيل!!!

الصورة الثالثة: صورة معبر رفح، وهو المعبر الوحيد الذي يصل أهالي قطاع غزة بالعالم، خاصة وأن صلتهم ببقية الأراضي الفلسطينية قد انقطعت منذ عام 2000 بشكل تام...على هذا المعبر يقيم المسافرون أياما بانتظار السماح لهم بالمرور، وهنا لن أذهب بعيدا فقد شاركت بعض النسويات الغزيات معنا في اجتماع وقع مؤخرا في قبرص قبل شهر تقريبا، ولدى عودتهم كان عليهم أن يناموا ثلاثة أيام في الحافلة على المعبر في ظل أوضاع صحية بائسة ابتداء من اضطرارهم لإستخدام دورات مياه لا يتم تنظيفها وانتهاء باضطرارهم لتناول وجبات غذائية سيئة وبأسعار مرتفعة، مرورا بكل سخونة الطقس ومعايشة الحشرات التي تملأ المكان، وهذا حال الشعب الفلسطيني في غزة كلّما اضطر للسفر إلى الخارج، ولعل عدم تمكن ثلاثة مشاركين من الوصول إلى هذه الدورة التدريبية من غزة حتى اليوم لخير شاهد على ما أقول...

الصورة الرابعة: صورة الأطفال المرعوبين والمرعوبات في مناطق الاجتياح، وقد كانت لي تجربة صعبة جدا معهم أياما معدودة بعد اجتياح مخيم جنين، حيث تمكنت من دخول المخيم مع وفد برلماني أوروبي ... ولا يتسع الوقت هنا للحديث عن تلك الصور، وسأكتفي بالقول بأن حديث هؤلاء الأطفال لم يتعدى نقل صورة مشاهد القتل والدمار التي شاهدوها، وفي أحسن الحالات استطاعوا أن يعبرّوا عن غضبهم بالبكاء أو بالتهديد بالانتقام...

الصورة الخامسة: صورة الأسر التي فقدت أحبّائها إما من خلال عمليات القصف المتكررة، وإما خلال المواجهات، وإما على الطرق والحواجز، وفي مجملها صور بائسة لأسر فقدت الرغبة في الحياة بعدما فقدت الأحبة ولا أحد يستطيع أن يشعر بخيبة الأمل التي يعيشونها كنتيجة لعدم التعامل مع قضايا فقدانهم كما يجب، فالحياة تسير في البلدان العربية بشكل طبيعي كما يعبرّون، والعالم لم يعد مهتما بما يحدث على الساحة الفلسطينية، ووسائل الإعلام تتعامل مع الحدث بشكل روتيني، لتجعل من مصائبهم مجرد إحصائيات وأرقام...

الصورة السادسة: صورة الباعة الأطفال على الحواجز، فهم الآن المعيلون لأسر فقدت معيلها أو فقد معيلها عمله، فكان عليهم أن يتركوا الدراسة للتحول إلى باعة متجولين في هذا السوق الجديد، سوق الحواجز حيث يكتظ الناس في الطوابير فيتوقون إلى شرب القهوة أو العصير أو حتى لشراء مناديل ورقية لمسح الإفرازات العرقية التي تتزايد بحكم اشتداد الحر أو بحكم اشتداد التوتر...

الصورة السابعة: صورة تزايد أعداد المعاقين والمعاقات كنتيجة لإستخدام القوة في المناطق الآهلة بالسكان، وعدم توفر أو حتى منع الإمكانيات الطبية من الوصول إلى تلك المناطق مما يتسبب بنقل الجرحى بطرق بدائية تتسبب في معظمها في إعاقات دائمة...

الصورة الثامنة: وهي الصورة الأحدث وتتمثل في صورة جدار الفصل العنصري والذي وكنتيجة للفصل المدروس بشكل لا يمس بمكتسبات طرف على حساب طرف آخر، فقد فصل أفراد العائلة الواحدة عن بعضهم، كما فصل الأسر عن مورد رزقها في أحيان أخرى حين أصبح المنزل شرقي الحائط والأرض الزراعية في  غرب الحائط، أو فصل الأطفال عن مدارسهم، أو فصل البئر عن الزرع...والأهم من ذلك كله أنه فصل الفلسطينيين  عن عصر حقوق الإنسان، خاصة في ظل تمنع إسرائيل عن قبول قرار محكمة لاهاي والذي صوتت لصالحه معظم دول العالم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة...

الصورة التاسعة: وهي صورة من خارج المناطق المحتلة ولكنها صورة أصيلة للشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء في الدول العربية، ولا سيما في لبنان حيث يعاني الشعب الفلسطيني لا من التشرد فحسب بل حتى من مزاولة حقه في العمل أو بالتملك  بما يمكنه من حياة كريمة...

الصورة العاشرة: لقد سألت ابني (12) سنة يوم أمس، لو طلب منك التحدث عن الشعب الفلسطيني فماذا تختار، فاختار الحديث عن الفلسطينيين في العراق حيث وحد تعبيره بأنهم منسيون تماما، فهم الآن يواجهون احتلالا جديدا ولجوءا جديدا...

الصورة الحادية عشر: صورة طلبة الثانوية العامة الذين لا يتمكنوا من الوصول إلى قاعات الامتحانات...وصورة المدارس المغلقة بسبب الحصار ونظام من التجول، مما يعني صورة أطفال ممنوعين من الوصول إلى مقاعد الدراسة

الصورة الثانية عشر: صورة الطائرات الإسرائيلية التي تتوجه إلى المناطق لاغتيال ما يزعمون بأنهم قادة الإرهاب، حاصدين في تلك العمليات لا المناضلين المستهدفين فحسب بل جملة من المدنيين من أطفال ورجال ونساء كنتيجة لتواجدهم في المناطق التي يقع فيها الاغتيال...

الصورة الثالثة عشر: صورة الأراضي الزراعية المجرّفة بحجة أن الارهابيين من أطفال الحجارة يختفون ما بين هذه الأشجار بعد قيامهم برجم السيارات الإسرائيلية بالحجارة...

الصورة الرابعة عشر: صورة المعتقلات والمعتقلين في سجون الاحتلال، وهم يرمون بالغازات الخانقة كلما حاولوا أن يطالبوا بتحسين ظروف معيشتهم ليتمتعوا بالحقوق التي أقرّتها كل المواثيق الدولية...

الصورة الخامسة عشر: صورة المبعدين من أهالي ما اصطلح على تسميتهم "الإرهابيين" من الضفة الغربية إلى قطاع غزة حيث نزع عن كل مواطن فلسطيني حق النضال الذي أقرّته المواثيق الدولية وألصقت فيهم تهمة الإرهاب...

والصورة التي لا يمكن أن تكون الأخيرة، ولكنها الأخيرة في هذه الورقة، هي صورة المواطن الفلسطيني الذي صودرت أرضه لبناء مستوطنات إسرائيلية، فتم تحويله من منتج إلى مستهلك، وفي هذه القاعة معنا زميل متضرر تحولت أسرته من أسرة تنتج زيت الزيتون وتبيعه إلى أسرة تشتري استهلاكها الخاص من هذا الزيت لصالح المستوطنون الجدد الذين لم يكتفوا بحدود دولة إسرائيل بل قرروا بأن لا حدود لهذه الدولة وهو ما تسكت عنه الأمم المتحدة عندما توافق على عضوية إسرائيل دون أن تحدد تلك الدولة حدودها أو تقدم خرائطها كما ورد في مقدمة هذه الورقة...

الصور كثيرة، ولكن بعضها مفيد للتذكير بحقوق الشعب الفلسطيني المنتهكة، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

1)      حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو حق تقره كافة المواثيق الدولية

2)      الحق في مقاومة الاحتلال، حيث ينتهك هذا الحق الذي كفلته كل المواثيق الدولية وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، ويتم اتهام من يمارس هذا الحق بالارهاب، ويصنف المقاومون كإرهاربيين

3)      الحق في العيش الآمن

4)      الحق في التنقل

5)      الحق في العمل

6)      الحق في الحماية الدولية

7)      الحق في التئام شمل الأسر

لقد نصت المواثيق الدولية كافة على تلك الحقوق سواء المواثيق المتعلقة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والمتكون من مجموعة مبادىء وقواعد منصوص عليها في إعلانات واتفاقيات ومعاهدات دولية تهدف إلى حماية الحقوق والحريات الفردية  والجماعية من انتهاكات الدولة في أوقات السلم والحرب أو تلك المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي (قانون لاهاي، وقانون جنيف، وجهود الأمم المتحدة في حقل التشريع الدولي) والمعنية بحماية حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة.

أمام ذلك كله، نجد بأنه ومن أجل حماية حقوق الشعب الفلسطيني، لا بد من تفعيل آليات القانونين (القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي)، كما لا بد من إعادة القضية الفلسطينية إلى قضية يتم العمل على حلها من خلال ما تكفله الشرعية الدولية بعيدا عن أي تسويات مبنية على موازين قوى تستفيد من الأحادية القطبية في النظام العالمي الجديد. وهذا يتطلب توحيد جهود كافة المناضلين والمناضلات في مجال حقوق الإنسان، ولعل ما حصل في دربان من تحويل المؤتمر غير الرسمي إلى مظاهرة تضامن واسعة مع الشعب الفلسطيني لخير مؤشر على إمكانية تحقيق ذلك.

ألقيت هذه المحاضرة يوم 29/07/2004 في نطاق اللقاءات المفتوحة التي نظمها المعهد العربي لحقوق الإنسان على هامش دورة عنبتاوي 14 حول حقوق الشعوب اليوم : الأسئلة والتحديات