ورشة التفكير حول التصوّر الاستراتيجي

وخطّة العمل 96 ـ 99

تونس 28 ـ 30 جانفي 1995

التقرير الختامي

1 ـ عقد المعهد العربي لحقوق الإنسان بالعاصمة التونسيّة وللفترة من 28 ـ 30 جانفي 1995 ورشة تفكير حول التصوّر الاستراتيجي لنشاط المعهد حضرها نخبة من المثقفين ونشطاء حقوق الإنسان في الوطن العربي وفي المنظمات اللية ذات العلاقة، إضافة إلى ممثلين عن مجلس إدارة المعهد، وممثلين للمؤسسات التمويليّة الدولية .

2 ـ تحديد برنامج العمل بجلسة افتتاحيّة وتنظيميّة وبثلاثة جلسات عامّة صباحيّة، أمّا الجلسات المسائيّة فقد خصّصت لاجتماعات فرق العمل المتخصّصة. -ملحق رقم 2: برنامج أعمال الورشة-.

3 ـ تضمنت الجلسة الافتتاحيّة كلمة ترحيبيّة من قبل السيّد رئيس المعهد أورد فيها استعراضا موجزا لتاريخ إنشاء المعهد ومبررات انبعاثه، وذكّر الحاضرين بالثوابت التي يتمسّك بها المعهد في تحقيق أهدافه المرسومة، كالآتي :

ـ اقتصار مهمّة المعهد في تعميق البحث وتطوير المعرفة والوعي بقضايا حقوق الإنسان وبنشرها على أوسع نطاق، وبهذا فإنّ إطار الحركة الذي حدّده لنفسه لا يتضمّن مهام الدفاع عن حقوق الإنسان، فالمعهد بالأساس ليس مؤسسة مطلبيّة.

ـ المعهد هو عربي في هويته ومنظور عمله وفي تأطير حركته ونشاطاته وهو غير حكومي في شخصيته المعنويّة.

ـ للمعهد مرجعيّة واضحة وهي الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والصكوك المتمّمة له، ويتمّ التمسّك بالمبادئ والقيّم الواردة في تلك اللّوائح في إطار خصوصيات البيئة العربيّة.

ـ من أجل تحقيق المعهد لأهدافه المرسومة والحفاظ على هويته فهو يتمسّك بمبدأ الاستقلاليّة التّامة عن  حكومة أو تيار سياسي مهما كان.

وقد نوّه السيد رئيس المعهد بالجهات العربيّة والدولية وبالحكومات العربيّة التي تساهم في دعم وتمويل المعهد وفي طليعتها الحكومة التونسية، كما أشاد بنخبة المثقفين والخبراء العرب الذين يساهمون في تنفيذ وتطوير العمل التدريبي والعلمي للمعهد.

4 ـ تضمنت الجلسة العلميّة الأولى والتي ترأسها الأستاذ محمد فائق نائب رئيس المعهد وأمين عام المنظمة العربيّة لحقوق الإنسان كلمة تمهيديّة أوضح فيها بأنّ الحفاظ على الاستقلاليّة والشفافيّة كانت من بين الأسباب الهامّة والرئيسيّة في نجاح نشاطات المعهد، وأشار إلى الصعوبات التي يواجهها المعهد في عمليه في المحيط العربي الذي يتسّم بعدم تجذّر مؤسّسيّة حقوق الإنسان.

وقد نوّه السيّد رئيس الجلسة من جانب آخر بدور الحكومة التونسيّة في دعم نشاطات المعهد منذ تأسيسه وحرصها على توفير المناخ اللاّزم لعمله وبمتابعة مباشرة من قبل السيّد رئيس الجمهوريّة.

وفي توضيحه لأهداف الورشة، أشاد بالتقليد الذي بدأه المعهد في مجال النقد والمراجعة الذاتيّة، وتمنى أن يشكل ذلك العمل مرجعا لبقيّة المنظمات العربيّة غير الحكوميّة. كما أشار إلى أنّ الورشة بالاضافة إلى هدفها المباشر في تدعيم عمل المعهد وتعزيز أداءه للمرحلة الخمسية القادمة فإنها، وبدون شك، ستدعم عمل منظمات حقوق الإنسان في الوطن العربي من خلال استشراف مهام الأخيرة واستعراض وتحليل مشكلاتها، ممّا يؤدي بالتالي إلى استجابة المعهد لمتطلباتها.

5 ـ تولى بعد ذلك السيّد آداما ديانغ استعراض تقرير البعثة التقييميّة باعتباره أحد أعضاء فريق العمل الذي قام بمهمّة تقييم عمل المعهد. وقد بدأ كلمته بتذكير الحاضرين بأنّ مهمّة التقييم لم تتعدّ كونها خطوة لدفع النقاش والتفكير من أجل تطوير نشاط المعهد وتبصير الادارة ببعض الاقتراحات لتطوير العمل الفني والاداري والمالي ومساعدتها في وضع التصوّر الاستراتيجي لنشاطاتها وإعادة هيكلتها خلال المرحلة المستقبليّة القادمة. كما حرص على التأكيد بأنّ عمليّة التقييم قد قامت أساسا على مقاربة »المشاركة« حيث تمّ التحضير لتحديد مهام البعثة التقييميّة من خلال التفاعل مع جميع الأطراف : مجلس الادارة، إدارة المعهد، العاملين في الأقسام الفنيّة والاداريّة، إضافة إلى الجهات الدولية المموّلة.

وقد قسّم السيد ديانغ نشاطات المعهد إلى قسمين، أولهما النشاطات التي شهدتها مرحلة التشكل للمعهد ،منذ إنشاءه ولغاية عام 94، وثانيهما النشاطات المستقبليّة المقترحة لمرحلة النضج خلال السنوات الخمس القادمة والتي تتطلّب وقفة مراجعة في إعادة الهيكلة وفي توفير الوضوح والترابط بين الأطر المفاهيميّة والاداريّة والتطبيقيّة.

وفي الاستعراض التفصيلي لنشاطات المعهد في قطاعات التدريب والاتصال والنشر والبحوث والتوثيق والمعلومات، تناول السيّد ديانغ نقاط القوّة والضعف في أداء تلك القطاعات وتقدّم بالمقترحات التطويريّة التي تضمنها تقرير البعثة التقييميّة، كما تعرّض للسياسة الماليّة للمعهد وما تتطلبه من خطوات لتثبيت قاعدتها وإعطاءها صفة الديمومة والاستمرار.

6 ـ بعد الانتهاء من استعراض تقرير البعثة التقييميّة تولّى السيّد فرج فنيش المدير التنفيذي للمعهد، تقديم التصوّر الاستراتيجي وخطّة العمل للمرحلة القادمة، والذي يعتمد، كما أشار لذلك، على مقترحات التقرير التقييمي وعلى تراكم الخبرة لدى المعهد في أداء عمله الوظيفي ومعرفته بالجوانب التي تتطلّب التعزيز والجوانب التي تفترض الاصلاح وإعادة الهيكلة والنظر في الأولويات.

وقد أكدّ في تقديمه للعرض بأنّ البعثة التقييميّة والورشة الحاليّة هما بمثابة مراجعة ذاتيّة للمعهد تهدف لتحقيق التالي :

ـ دينامية داخليّة من أجل تحقيق الأداء الأفضل للمعهد.

ـ دينامية خارجيّة من أجل توثيق العلاقة مع المنظمات المؤسسة وخلق قاعدة تفاهم أفضل، وكذلك من أجل التعرّف على احتياجات المنظمات والجماعات المستهدفة وتشخيص عناصر الطلب على الخدمات التي يمكن أن يستجيب لها المعهد في تقديم خدماته وبشكل يحقّق الأثر الفاعل.

من جانب آخر قدّم المدير التنفيذي للمعهد عرضا تفصيليّا للتصوّر الاستراتيجي لعمل المعهد خلال السنوات 1996 ـ 1999، وللأهداف العامّة والاجرائيّة المرسومة والتي ستتولّى خطّة العمل ترجمتها إلى أهداف آنيّة قابلة للقياس، ويشكل برامج ونشاطات محدّدة بآفاق وبفترات زمنيّة مرسومة. وقد أكدّ بأنّ الانتقال من مرحلة التشكّل التي شهدها المعهد منذ إنشاءه ولحدّ الآن إلى مرحلة النضج القادمة، سيعمل على تكريس مبدأ المهنية في العمل سواء من خلال النشاطات الفنيّة في محاور العمل الأربعة أو في مجال التطوير التنظيمي، وذلك ما يؤكّد عليه التصوّر الاستراتيجي المقترح. وقد اقتصر في عرضه لذلك التصوّر على شقّ النشاطات المقترحة وأولوياتها للسنوات القادمة، واقترح تأجيل مناقشات التطوير التنظيمي باعتبار أنّ مداولات الورشة الحاليّة ستحوّر من قائمة النشاطات المقترحة، ممّا يستدعي تحويرا تنظيميّا ملازما، سيعمل المعهد على اجراءه وعرض خطّة التطوير التنطيمي على الاجتماع القادم لملجس الادارة.

أمّا عن وثيقة خطّة العمل المقدّمة للورشة فقد تمّ استعراض منطلقاتها وأولوياتها كالاتي :

ـ ترجمة الأهداف العامة التي تأسّس المعهد على قاعدتها إلى مشاريع وبرامج ممّا يتطلب توفير أطر دلاله ومحدّدات أقل تجريدا كي يمكن الاعتماد عليها في ترتيب الأولويات ووضع الأهداف الاجرائية والآنيّة.

ـ إيجاد نقاط التقاء مع أهداف المؤات الدولية المشاركة في عضويّة إدارة المعهد.

ـ حصر وظيفة المعهد في مجال الترويج لحقوق الإنسان كي يتكامل في عمله مع منظمات حقوق الإنسان ذات الهدف الدفاعي.

ـ عدم اقتصار عمل المعهد على المنظمات غير الحكوميّة والاقتراب من المؤسسات الحكوميّة والتأثير عليها في ضرورة إدخال ثقافة حقوق الإنسان في المجال التربوي، وكذلك بضرورة الالتزام بالقوانين الدولية التي تنصّ على حماية حقوق الإنسان في مختلف الممارسات اليوميّة للأجهزة الحكوميّة ذات الصلة.

وقد تمّ بعد ذلك استعراض البرامج والنشاطات المقترحة في خطّة العمل في محاور التدريب والبحث والاتصال والنشر والتوثيق والمعلومات. إضافة إلى القضايا المتعلقة بالتمويل وآفاقه الممكنة.

7 ـ أثارت مناقشات الحضور جملة من الملاحظات والمقترحات العامّة والفنيّة حول تقرير البعثة التقييميّة وورقة التصوّر الاستراتيجي وخطّة عمل المعهد للسنوات القادمة. وستقتصر الاشارة في هذا الجزء التمهيدي من التقرير الختامي على ايراد الملاحظات العامّة التي تمّ تناولها، أمّا الملاحظات الفنيّة فقد تمّ ترحيلها إلى ما يقابلها من البنود الفنيّة التي سيتضمنها التقرير الحالي.

ولعلّ من بين الملاحظات الهامة بهذا الصّدد هو اقتراح أن يعمّم المعهد العربي لحقوق الإنسان تقليد تجربة التقييم الذّاتي التي قام بها وذلك عن طريق توفير منهجيّة العمل والخبراء أو إرسال بعثات تقييميّة للمنظمات الوطنيّة لحقوق الإنسان من أجل مراجعة الأداء الفنيّ والتنظيمي والمالي لتلك المنظمات.

وقد أشارت ملاحظة أخرى إلى مسألة تقسيم العمل في مجال مستويات النشاط المختلفة لمنظات حقوق الإنسان في الوطن العربي، وبالذات بين المعهد والمنظمة العربيّة لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية نظرا لوجود قواسم مشتركة وعضوية في الاهتمام، ممّا يستدعي توزيعا دقيقا للمسؤوليات في المجال الفنيّ وفي مجال العلاقات، وتجنّب الازدواجيّة. ورغم أنّ المعهد ينحصر أداؤه في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان، إلاّ أنّ أدبيّات التي يعتمد عليها يجب أن ترتكز بشكل أساسيّ على ما تقدّمه المنظمات الدفاعيّة العربيّة وما يعكسه واقعها الميداني والمعيش مقابل المعايير الدولية.

من جانب آخر، أثار النقاش أحد أوجه القصور في تقرير البعثة التقييميّة وهو عدم اعتماده على استقراء آراء الجمعيّات الوطنيّة لحقوق الإنسان والمنظمات العربيّة ذات العلاقة حول ما قدّمه المعهد وما يمكن أن يقدّمه مستقبلا، مع تشخيص أوجه الخلل وفرز المقترحات التطويريّة اللاّزمة. كما كان من الأفضل توفير الفرصة لفريق التقييم من أجل اجراء بعض المقابلات مع الفئات التي انتفعت من خدمات المعهد لقياس طبيعة المردود والأثر والتعرّف على طبيعة الاستثمار الذي يوظفه المعهد من خلال نشاطاته.

أمّا المناقشات العامّة الأخرى فقد تناولت بالنقد التقسيم الذي يأخذ به المعهد في توزيع نشاطاته، وبالذات في حقل التدريب، حيث أشار البعض إلى أنّ هدف التوعيّة الشعبيّة يمكن أن يصل إلى شرائح اجتماعيّة عريضة في حين أنّ التدريب لا يتعدى مجموعة المدربين في أثره، وعليه فقد توجهت المقترحات إلى ضرورة التأكيد على وسائل الاعلام باعتبارها وسائل تقنيّة غير تقليديّة ويمكن توظيفها بشكل علمي وفني لنشر ثقافة حقوق الإنسان على أوسع نطاق، وخاصة تلك التي تعتمد على الصورة، فالصورة كما يقال تساوي ألف كلمة، ويمكن أن تدخل المنزل بدون استئذان.

8 ـ أعمال ومناقشات فرق العمل

توزعت فرق العمل كما هو موضح في جدول الأعمال المرفق، لمناقشة الموضوعات التالية :

أوّلا : المحيط الثقافي والسياسي والاجتماعي الذي يعمل المعهد في إطاره.

ـ موقع المعهد في الحركة العربيّة والدولية لحقوق الإنسان.

ـ الفئات المستهدفة وأولويات النشاط ومواقع التأثير.

ثانيّا : نشاطات المعهد في أقسامه الأساسيّة :

ـ البحوث والدراسات

ـ التوثيق والمعلومات

ـ التربيّة على حقوق الإنسان والأنشطة التدريبيّة

ـ الاتصال والنشر

إضافة إلى السياسة التمويليّة للمعهد.

تضمنت أعمال فرق العمل تقديم أوراق عمل أو أسئلة رئيسيّة لتفتيح النّقاش وتأطيره، وقد تمّ توزيعها على الحضور لتحقيق مدى أوسع من الاستفادة.

ومما تجدر الاشارة إليه في هذا التّقرير الختامي إن مداولات فرق العمل المختلفة قد اعتراها العديد من مواقع التداخل وأثارت نفس الموضوعات أو الأسئلة في بعض الأحيان، وذلك أمر متوقع نتيجة للتشابك العضوي بين اهتمامات وأهداف موضوعات اللّجان المختلفة. ومن أجل تفادي التكرار فقد تمّ اعادة تبويب المداولات والمقترحات وتجميع نقاط الالتقاء ووضعها في الباب الذي قد يكون أكثر التصاقا. كما تمّ من جانب آخر ترحيل المقترحات العمليّة أو البرمجيّة التي تضمنتها مناقشة أعمال الفرق والتي تتطلب نشاطات التدريب أو البحث أو الاتصال والنشر أو التوثيق إلى مواقعها المناسبة كي يمكن تحقيق أقصى قدر ممكن من الاتساق، فالعديد من فرق العمل التي ناقشت موضوعات المحيط الثقافي والاجتماعي والسياسي أو تلك التي ناقشت موضوعات موقع المعهد في الحركة العربيّة والدولية لحقوق الإنسان ومسألة الفئات المستهدفة وأولويات النشاط أشارت إلى اقتراح برامج محدّدة تدخل في اهتمامات اللّجان اللاّحقة حول التدريب والبحث والاتصال والتوثيق.

8 ـ 1 ـ استعرض فريق العمل جملة التطوّرات التي فرضتها التغيّرات الدوليّة والاقليميّة لفترة ما بعد الحرب الباردة وما تشهده من مراجعات فكريّة وايديولوجيّة لمختلف التيارات وعلى جميع الأصعدة مما يستوجب على المعهد استيعابها واعتمادها كإطار للحركة عند التخطيط لبرامجه ومشروعاته في السنوات المقبلة. فمع بروز العولمة أو الكونيّة كمعطى جديد من معطيات النظام الدولي قيد التشكّل، تغير الموقف من قضايا الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في محاولة لربطه بفلسفات اجتماعيّة ونماذج انمائيّة مفروضة، والتأكيد على جملة حقوق دون غيرها. إلاّ أنّ ذلك لم يحسن التناقض مع الاجندات المختلفة للشعوب والثقافات المختلفة، كما لم يحسم مسألة التعميم أمام مسألة الخصوصيّة وبمعنى ضمان التطابق التاريخي. وقد أكدّ بهذا الصدّد أنّ على المعهد باعتباره أحد مؤسسات العالم الثالث، أن يعمل على إيلاء ثنائيّة الكونيّة والخصوصيّة أهميتها في إعادة تأسيس خطاب حقوق الإنسان والديمقراطيّة وذلك أمر يتطلّب المراجعة الداخليّة أوّلا، واستيعاب التحوّلات الحادّة على المستوى الدولي ثانيّا. وتلك معادلة يتوجب عدم الاخلال في توازناتها، فالتمسك بالمرجعيّة الدوليّة دون الدخول في خصوصيات الثقافة العربيّة قد يساهم في عزل حركة حقوق الإنسان على الجماهير العربيّة، حيث أنّ تلك المرجعيّة في نظر المواطنين مرتبطة بالأمم المتحدة وراعيتها الولايات المتحدة. كمّا أنّ التمسّك بالخصوصيات دون ارجاعها الى المعايير الدوليّة يمكن استخدامه كسلاح للتهرب من الالتزام باحترام الحقوق.

وقد اتضح من خلال النقاش أنّ مثل تلك الاشكاليّات المفاهيميّة والمقاربات تواجه عمل النشطاء بصورة يوميّة، وأنّ المساهمة المتوقعة للمعهد في القيام بتحليلات معمّقة لتلك الاشكاليّات جدير بتوفير الكثير من الوضوح في رؤية العالم وفي رؤية الثقافة السياسيّة المحليّة وتدارس الموروث وإعادة تأسيس وعي جديد جدير بتجاوز المعوقات الثقافيّة وتبديد ضبابيّة الرؤية. وعتقد المشاركون بأنّ تلك الاسهامات هي في صميم رسالة المعهد الثقافيّة، إذ أنّ حركة حقوق الإنسان هي في جوهرها حركة ثقافيّة تنشد التغيير في المفاهيم وإحداث التطوّر النوعي في المجتمعات، وأنّ الجانب الاحتجاجي الظرفي والاحساس السياسي يجب أن يقع في إطارها.

وفي مجال رصد الواقع السياسي والاجتماعي العربي الذّي يؤّثر على عمل المعهد ودوره الراهن، فقد أشار النقاش إلى حالتين، على المعهد أن يأخذها بالاعتبار في تحديده لبيئة العمل وفي تشخيصه للمناخ السياسي والاجتماعي وأوّلهما بروز نموّ وتطوّر في الحركة العربيّة لحقوق الإنسان رغم كل الصعوبات ورغم كل ما يتعرّض له النشطاء من مضايقات، حيث أنّ الحجم في اضطراد مقارنة بالعشرية الماضية، وان قوى الضغط الاجتماعي هي في تصاعد نسبي من خلال منظمات المجتمع المدني. وبالرغم من مشكلات الأميّة وقصور العمل الاجتماعي، فإنّ التطوّر في أساليب العمل ومساحات الإحاطة أمور لا يمكن نكرانها. أمّا ثاني الحالتين فهي النّزعة القمعيّة لدى العديد من الأنظمة العربيّة، واتخاذ مواقف من النشاط الجمعيتي لحقوق الإنسان مشوبة بالارتياب والاحتراز وعدم الترخيص بالعمل والتدخل في شؤون العمل غير الحكومي والتعّف على النشطاء. ويعمق من هذه الظاهرة عدم القدرة على استيعاب الحوار الوطني وإمكانات التحوّل نحو التعدديّة مقابل استمرار الانقائيّة والاقصاء واستبعاد المشاركة. ولابدّ من الاعتراف بأنّ الكثير من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني قد اخفت هي الأخرى في ممارسات الديمقراطيّة، وبرزت أقصى حالاتها في مثال التطرّف الديني.

ولا شك بأنّ كلاّ الحالتين تفرضان على المعهد أن يحدّد مسؤوليّة أولويات الحركة ومضمون خطابه الثقافي، وأنّ يستوعب الأبعاد الجديدة لمفهوم حقوق الإنسان  والعمل في إطار تنظيماته بعيدا عن التقليديّة وأن يعمل على توسيع نطاق الجماعات المستهدفة، إذ مع محاولات احتواء الخطاب الحقوقي في العديد من البلدان العربيّة، يستدعي الأمر في مجهودات التدريب والبحث والاتصال والمعلومات عدم الاقتصار على الجانب الحمائي في توظيف الخطاب والممارسات للنشطاء بل تعدي ذلك الى تبني الخطاب الشامل والذي يتضمّن موضوعات التربيّة على حقوق الإنسان وإنجاز دراسات حول ملائمة القوانين وكيفيّة الردّ على التقارير الحكوميّة والمداولات البرلمانيّة. وتلك مهام جديدة بدأت البعض من منظمات حقوق الإنسان في البلدان العربيّة أخذها بالاعتبار ضمن نشاطاتها اليوميّة ممّا يستدعي من المعهد الاستجابة لتلك المتطلبات في جدولة نشاطاته الفنيّة وبرامجه المقبلة.

وقد أكد الحضور بأنّ مثل هذه المتطلبات ترتبط بدورها بتحديد علاقة المعهد بالحكومات العربيّة وبشكل لا يفترض الصدّام والتناقض، ومن منطلق هدفه الأساسي في نشر معرفة حقوق الإنسان، وعدم تعدّي ذلك إلى القيام بمهام الدّور الدفاعي والمناط أساسّا بمهام المنظمات المحليّة، وتلك مسألة حسّاسة يتوجب القيّام بها دون المسّاس بالاستقلاليّة.

من جانب آخر احتل النقاش حيّزا هاما في تدارس الواقع الاقتصادي العربي الراهن استراتيجيات اعادة الهيكلة وأثرها على واقع حقوق الإنسان العربي بشقيها السياسي والاجتماعي ـ الاقتصادي وبين الشرائح والتشكيلات الاجتماعيّة المختلفة، حيث أنّ لتلك الاستراتيجيات، كمّا أكّد الحضور، بعض الجوانب الايجابيّة والتي أتاحت في بعض التجارب هامشا »محدودا« من عمليّة الدمقرطة والاصلاحات السياسيّة، إلاّ أنّها في حالات عديدة أخرى أدت إلى أزمات وهزّات عرضت الاصلاحات السياسيّة الجزئية إلى انتهاكات أصابت حركة حقوق الإنسان بالدرجة الأساس. وعلى المعهد في ظلّ هذا المناخ الاقتصادي والاجتماعي ـ السياسي أن يتدارس الواقع الجديد ويحدّد أبعاد المناخ السياسي الراهن وهوامش التحرّك كي يساعده في معرفة كيفيّة استفادة حركة حقوق الإنسان العربيّة من التحولات الجاريّة، والتي ساعدت بدون شك على تكريس مبدأ مطلبيات حقوق الإنسان في العديد من الدّول العربيّة وصعوبة انكار شرعيتها من قبل الحكومات.

وفي إطار عمليّة إعادة الهيكلة الاقتصاديّة الجاريّة يتوجب على المعهد كذلك أن يلتفت إلى تحليل أوضاع حقوق وحاجات الجماعات المهمشّة والتي تشكّل القاعدة الأوسع في عديد المجتمعات العربيّة والمتضرّرة الأساسيّة من تلك السياسات الاقتصاديّة. وبالتأكيد فإنّ الخطاب الذي يجب أن يتوجه لتلك الفئات يختلف اختلافا »جذريّا« عن الخطاب الحمائي والموجه أساسا لحريّات الطبقة المتوسطة، وممّا يستدعي ربطا وثيقا بين الحقّ والحاجة والجوانب السياسيّة والاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة. وبإمكان المعهد في هذا الصدد أن يستعين بتجارب منظمات حقوق الإنسان في بلدان أمريكا اللاّتينيةّ وآسيا والتي قطعت شوطا »هاما« في هذا المضمار بعد أن وضعت الانتصار لحقوق جماعات القاع من ضمن أولوياتها.

8 ـ 2 ـ موقع المعهد في إطار الحركة العربيّة والدولية لحقوق الإنسان :

في إطار تحديد وظيفة المعهد ودوره عربيّا ودوليّا، تمّ التطرّق في مداولات الورشة إلى العلاقات التالية :

أ ـ العلاقة بمنظمات حقوق الإنسان في البلدان العربيّة.

ب ـ العلاقة بالحكومات العربيّة

ج ـ العلاقة بالحركة العالميّة لحقوق الإنسان

د ـ العلاقة بالمؤسسات التمويليّة العربيّة والدولية.

وفي مجال التمهيد لمناقشة طبيعة العلاقات المطلوبة في المحاور أعلاه، عمل المشاركون على توفير تحديد مبدئي لوظيفة المعهد وماهيته كي تشكّل إطار دلالة للحوار واستنتاج العلاقات، وعليه فقد تمّ توصيف المعهد من حيث هو :

ـ مؤسّسة تتعامل مع تطوير ونشر المعرفة المعمقّة حول حقوق الإنسان والشعوب، ومنتدى فكري تجتمع فيه الطاقات العربيّة للبحث في إشكاليات حقوق الإنسان. وعليه فإنّ المفترض به أن يتعرّف على نسق الأولويات للبحوث والدراسات وأنماط التطوير المعرفي المطلوبة قبل غيرها في واقع العمل مع حقوق الإنسان في الوطن العربي، وبهذا فهو يشكّل الذراع الفنيّ لحركة حقوق الإنسان العربيّة.

ـ صلة وصل لتبادل الخبرات والت