"ورشة حول استراتيجيات مساهمة المجتمع المدني

في التحول الديمقراطي في البلدان العربية"

قطر، الدوحة : يومي 4 و5 جانفي/كانون الثاني 2005

اجتماع تحضيري  إقليمي عربي للمؤتمر الدولي للديمقراطيات سانتياغو- الشيلي، مارس/آذار 2005

وثيقة الدوحة

متابعة لتوصيات اللجنة المدنية العربية التحضيرية لمنتدى المنظمات غير الحكومية  الدولي الموازي للمؤتمر الحكومي الثالث لمجتمع الديمقراطيات الذي سينعقد في سانتياغو – الشيلي بشهر ماي / آيار 2005، قام المعهد العربي لحقوق الإنسان وبالاشتراك مع اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان ومنظمة فريدم هاوس Freedom House، بالتعاون مع شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية وشبكة عائشة للمنظمات النسائية العربية ومركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان باليمن بتنظيم ورشة " حول استراتيجيات مساهمة المجتمع المدني في التحّول الديمقراطي في البلدان العربية " في الدوحة.

وتندرج هذه الورشة ضمن مسار الإعداد للاجتماع المدني الذي سينعقد بالشيلي في مارس / آذار استعدادا  لعقد المنتدى العربي الموازي لاجتماع الحكومات الذي ينعقد بنفس المكان في ماي / أيار 2005.

وقد شارك فيها ممثلو عدد كبير من منظمات ومراكز حقوق الإنسان الوطنية والإقليمية والدولية، ومن منظمات عاملة في مجالات المرأة والتنمية والديمقراطية وكذلك ممثلو شبكات عربية غير حكومية جاؤوا من 16 بلد عربي.

كما حضر الورشة عدد من الخبراء والباحثين والبرلمانيين والإعلاميين إلى جانب مندوبين عن جامعة الدول العربية (مفوضية المجتمع المدني) ومجلس التعاون لدول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي..

وتوزعت أعمال الورشة بين الجلسات العامة وورش العمل وتميزت المشاركات بالثراء والتنوع والمصارحة والموضوعية.

وقد تناولت الأشغال بالدرس أهم المسائل النظرية والعملية المتصلة بقضايا التحول الديمقراطي ومهام المجتمع المدني. 

أ: توصيف: عوائق هائلة ولكن التحول الديمقراطي ممكن

لقد ازداد الاهتمام بقضية الإصلاح في المنطقة العربية منذ أن صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2003 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي أكد على أنّ البلدان العربية يسودها " أدنى مستوى من التمتع بالحريات بين مناطق العالم ". والمعلوم أنّ محاولات نقد استبداد الدولة وتوسيع قاعدة المشاركة انطلقت مند فترة مبكرة جدا، أي قبل أكثر من قرن مع مصلحي النهضة العربية، واستمرت المحاولات بعد ذلك عبر أشكال ومبادرات ثقافية وسياسية ومدنية كثيرة، إلا أن الحصاد لا يزال هزيلا، ودون مستوى الآمال والتضحيات.

تمايزات وقواسم مشتركة

يشهد العالم العربي تفاوتا ملحوظا بين دوله في مجال الإقرار القانوني بالحريات الأساسية أو ممارستها. فهناك بعض دول المنطقة قد خطت خطوات ملموسة وأحيانا جريئة نحو تحقيق قدر من المصالحة بين الدولة والمجتمع. في حين لا تزال أغلب الأنظمة متردّدة في المضي قدما في ديناميكية الإصلاح ومراجعة أسلوب إدارة الشأن العام. وإذا كانت هذه الملاحظة تعتبر صحيحة في المجال السياسي، فهي أيضا أكثر بروزا عندما نعممها على مجالات أخرى مثل أوضاع النساء، ومحاربة الفقر والأمية، وبقية الخدمات الاجتماعية.

مع أهمية الإقرار بوجود تفاوت بين دولة عربية وأخرى، فإنّ ذلك لا يمنع من القول بأن العالم العربي من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يعتبر من المناطق الأخيرة في العالم التي لم يشرع فيها بعد بالإصلاح بمفهومه الشامل، وبالأخص الإصلاح السياسي. وقد جعلت، هذه الصعوبات الجوهرية، أبناء المنطقة والمختصين في دراستها يتساءلون عن الأسباب العميقة والحقيقية التي جعلت الموجة الثالثة للديمقراطية التي اكتسحت ما تبقى من دول أوروبا الغربية، وانتقلت إلى دول جنوب أمريكا ومنطقة أوروبا الشرقية، لتشمل معظم الدول الإفريقية، تقف عند حدود الاستثناء العربي، ممّا فتح الباب على مصراعيه إلى إضعاف مقومات السيادة الوطنية وفسح المجال للتدخل الأجنبي بل ولعودة آفة الاحتلال المباشر بحجّة فرض الديمقراطية بقوّة السلاح مثلما حصل في العراق على أيدي القوات الأمريكية.

   تضخم الدولة على حساب المجتمع

ورثت دولة الاستقلال عن مراحل الحكم السابقة والضاربة في القدم هرمية السلطة وخصائص عديدة من بينها الانفراد بالقرار، والاستبداد في الحكم، والحيلولة دون إقامة مؤسسات مستقلة وفاعلة، ومنع المجتمع من أن يتحول إلى قوة رقابية موازية. وممّا زاد من تعقيد الأوضاع تداخل الاستبداد السياسي مع الاستبداد الاجتماعي، بل إنّ الاستبداد الاجتماعي قد تحوّل تاريخيا إلى قاعدة للاستبداد السياسي. وقد ترتب عن ذلك حصول اختلال في علاقة الدولة بالمجتمع حيث تضخّم الرأس ممثلا في الحكم الفردي مقابل ضمور جسم المجتمع الأهلي الذي أصبح بلا سلطة، غير قادر في معظم الأوضاع عن التعبير عن ذاته ومصالحه وتطلعاته بشكل مستقل وفاعل. ولم يكن أمام المجتمع المدني سوى الاعتماد شبه الكامل على السلطة السياسية، يستمد منها شرعية وجوده باعتبارها الطرف المتحكم في حق التنظيم وتكوين الأحزاب والجمعيات. كما يعتمد عليها أيضا في تمويله وصيغ تحركاته وضبط اختياراته وتحالفاته ورسم استراتيجياته، وهو ما حرمَ المجتمع المدني من القيام بأدواره الحيوية والمتعدّدة وفي مقدمتها دور المراقبة وتقديم المقترحات البديلة، وبالتالي التحول إلى سلطة نقد وتوازن.

مفهوم المجتمع المدني

يستمر الجدل في الساحة العربية حول مفهوم المجتمع المدني. ويعود جزء من أسباب الاختلاف حول تحديد مقاييس مشتركة لضبط المفهوم، إلى حالة المخاض التي لا يزال يمر بها المجتمع المدني العربي في سياق التحولات المتسارعة والمستمرة منذ أكثر من قرن. ونظرا  للارتباط التاريخي بين قيام المجتمع المدني وبين تشكل الدولة الحديثة، فإن عدم اكتمال تبلور المجتمع المدني في العالم العربي يمكن اعتباره الوجه الآخر للتأخر أو التشويه الذي أصاب عملية تشكل الدولة في هذه المنطقة. فالدول القائمة ليست دول القانون، ولم تعتمد على مبدأ فصل السلطات بقدر كانت امتدادا لنظام الحكم الذي تشكل تاريخيا، والذي قام على الفرد و العصبية. هذا  يعني أن بناء المجتمع المدني هو جهد متواصل ومتواز مع السعي إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة.

ورغم  أن البعض يعتبر المجتمع الأهلي من صلب المجتمع المدني، هناك من يرى بأن المجتمع الأهلي يمكن اعتباره في العالم العربي مرحلة من مراحل المخاض في اتجاه التشكل النهائي للمجتمع المدني. لكن رغم ذلك الخلاف هناك اتفاق حول اعتبار المنظمات غير الحكومية بمثابة العمود الفقري للمجتمع المدني، وإن كان الخلاف يبقى أساسا قائما حول مدى اعتبار الأحزاب السياسية جزء من المجتمع المدني أو خارجة عنه ؟. أما بالنسبة إلى القطاع الخاص فهو يعتبر بحكم طابعه المصلحي طرفا مستقلا عن المجتمع المدني، دون أن يشكل بالضرورة طرفا مقابلا له، وإن كانت الاتحادات المهنية تعتبر جزء لا يتجزأ من الكتل الأساسية التي يتشكل منها المجتمع المدني.

الاحتياج إلى الثقافة الديمقراطية

تواجه المجتمعات المدنية العربية عوائق عديدة شلّت أحيانا حركتها وجعلتها غير قادرة على المشاركة الفاعلة في تنمية المجتمع. وفي مقدمة هذه العوائق التشريعات التي تحدّ من حرية النشاط ومن حق تأسيس الجمعيات ومن ملاحقة السلطات للنشطاء والعاملين في منظمات المجتمع المدني. لكن إلى جانب العوائق التي تضعها ولا تزال الحكومات هناك عوامل أخرى تتحمل مسئوليتها بشكل رئيسي منظمات المجتمع المدني التي لا تزال في حاجة إلى نقد ذاتي ومراجعة للكثير من أوضاعها وأساليب عملها. هذه المنظمات مثلها مثل الأنظمة والأحزاب والنخب والقطاع الخاص، تعاني من ضعف في مجال الثقافة الديمقراطية.

الثقافة الديمقراطية هي شبكة الدلالات المتجسدة في مجموعة من المهارات والمعارف والقيم التي تساعد المواطنين على التعرف ونشر مجموعة من المبادئ كالعدالة والمساواة والتسامح والتفاهم بين الشعوب، وتربية مجموعة من الملكات كالفكر النقدي الواعي. كما يكون التحول الديمقراطي مسبوقا ومصاحبا بتعميق الممارسات على الأصعدة الوطنية داخل مؤسسات المجتمع المدني، وتخليصه من الانقسام الطائفي والحزبي. هذه الثقافة التي اقترنت تاريخيا بحقوق المواطنة، ودولة المؤسسات، وفلسفة التعدد والتعددية، وتحكيم العقل والقانون والأغلبية دون إسقاط حقوق الفرد والأقلية، تتعارض مع العلاقات المبنية على التسلط، والتبعية، وضعف ثقة المواطن في قدرته على التغيير.

الثقافة الديمقراطية لا تتماشى مع مركزية القرار، وأحادية الحقيقة، وتشخيص المسؤولية، والتمييز بين الجنسين، وغياب الشفافية والمحاسبة، وعدم التداول على المسؤولية، وإقصاء المخالفين، وتزوير الانتخابات أو تأبيد الهيئات القيادية، وتحويل المنظمات إلى أدوات حزبية أو متاريس شخصية تدار لتحقيق مآرب شخصية أو للضغط على السلطة وابتزازها. وبناء عليه فالإصلاح السياسي الشامل يبدأ بإصلاح منظمات المجتمع المدني، وتحقيقُ التحول الديمقراطي على الأصعدة الوطنية يجب أن يكون مصاحبا بتعميق الممارسة الديمقراطية داخل مؤسسات المجتمع المدني، وتخليصه من حالة الانقسام الطائفي أو الحزبوي.

ويتطلب نشر الثقافة الديمقراطية إلى جهد فكري ومعرفي، وأيضا اكتساب مهارات واسعة، إلى جانب التمتع بقيم أخلاقية عالية تنمي نزعة احترام الفرد والمجموعة والتعايش مع الآخر المختلف.

الغلو والإرهــاب

تشهد المنطقة العربية منذ تسعينات القرن الماضي، تصاعدا مقلقا لموجة من التعصب المذهبي والغلو الديني. وقد اقترنت هذه الظاهرة، خاصة خلال الخمس سنوات المنقضية مع تعاظم دور بعض الجماعات المتمسكة بمرجعية دينية متشددة وتربية قتالية عالية ورغبة قوية لتغيير أوضاع البلاد من خلال اللجوء إلى العنف والإرهاب . وبالرغم من أن ظاهرة التطرف لا يختص بها دين دون آخر، كما أن التعصب لا تمارسه فقط بعض التيارات الدينية دون غيرها، بل يشمل أيضا تيارات سياسية وأيديولوجية أخرى لا تزال متمسكة بأطروحات فكرية مغلقة وإقصائية، لكن صعود التيارات الراديكالية المنتسبة للساحة الإسلامية والتي تتخذ من العنف والإرهاب أداة لتغيير الأوضاع، في السنوات الأخيرة زاد من تفاقم الظاهرة وخطورتها، وجعلها تحتل أولوية سواء على الأصعدة المحلية أو الدولية.

من هذه الزاوية أصبح المجتمع المدني مدعوا لدراسة هذه الظاهرة المركّبة والمعقدة، مع تجنب اختزالها في بعد واحد، وعدم التورط في خلط الأوراق كما تفعل أطراف عديدة داخلية وخارجية بتعمدها عدم التمييز بين الإرهاب المرفوض وبين المقاومة المشروعة للاحتلال.

كما يستوجب الأمر أيضا تقييم وضع جميع الحركات والظواهر الدينية ضمن حزمة موحدة، ودراسة الفوارق والمشتركات بينها. فتصاعد موجة التطرف والإرهاب يبرز أهمية انخراط المجتمع المدني في المجال الثقافي، ويكشف عن ضرورة تغيير المواقف ووسائل التعامل مع الثقافة الدينية. وهنا لا مفر من طرح عدد من الأسئلة : هل يمكن أن تؤدي الحلول الأمنية إلى معالجة هذه الظاهرة معالجة جذرية ؟. وهل أن أسباب التعصب سياسية بدرجة أولى أم هي أيضا اجتماعية وثقافية واقتصادية ؟. وهل يمكن أن يكون الإصلاح الديني عاملا فعالا من عوامل تطويق ظاهرة الغلو والإرهاب ؟. 

لا يشكل الإيمان بالديانات عائقا في حدّ ذاته لكي يكون المؤمن ديمقراطيا أو مناهضا لإرساء نظام سياسي يرتكز على المشاركة الحرة والمساواة بين المواطنين لكن تأويلا محددا للنصوص الـتأسيسية يمكن أن يحدث انقساما حادا داخل المجتمع الواحد، ويفتعل أصحابه تناقضا بين قيم الدين وقيم الحرية والعدالة.

كما تصبح المشكلة أكثر تعقيدا مع من يعتقدون بأنّ الدين هو نظام شامل للكون والحياة وأنّه يتضمّن نظاما سياسيا بديلا عن الأنظمة السياسية الأخرى بما في ذلك الديمقراطية. فهذه القراءة أثارت ولا تزال العديد من الإشكاليات والتساؤلات، وشكّلت عاملا آخر لا يقل أهمية عن عوامل أخرى زادت من تعقيد عملية التحوّل الديمقراطي في المجتمعات العربية. فعلاقة الدولة بالدين لا تزال تتطلب نقاشا معمقا وجريئا من أجل التوصل إلى صيغة تحمي الحقوق الفردية والجماعية وحقوق المرأة في المساواة وحقوق الأقليات وتضمن الحريات وتدعم قيم المواطنة وتفصل الحكم عن الدين وترسخ النظام الديمقراطي.

 من أجل أن تكون مرتكزات التحول الديمقراطي مبنية على مفاهيم كونية حقوق الإنسان ومبادئ العدالة والمساواة والتعايش الإنساني ضمن حضارة واحدة.

العولمة وآثارها على الديمقراطية

  دفع غياب الحريات بمنظمات المجتمع المدني، وخاصة الحقوقية منها، إلى إعطاء الأولوية في نضالاتها إلى الحريات الفردية والجماعية، والتركيز على حرية التفكير والتعبير والحق في التنظيم والانتخاب والتجمع والتظاهر وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية. لكن هناك إجماع حول ترابط هذه الحقوق مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأن أي إخلال بإحدى حلقات المنظومة من شأنه أن ينعكس سلبا على البقية.

  في هذا الإطار لا بد من الإشارة للتداعيات السلبية للعولمة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لشرائح هامة في المجتمع مثل الفقراء والعمال والنساء وأبناء الطبقات الوسطى. فبقدر ما توفر العولمة فرصا تاريخية لتعميم المعرفة وتقريب المسافات بين الشعوب والثقافات، وقد تمكن أطرافا عديدة من دول الجنوب من تحقيق نسب متفاوتة من النمو، بقدر ما تحصل تداعيات خطيرة تترتب عن سياسات التحرير الشامل للتجارة، وإلغاء الحواجز الجمركية، ورفع القيود أمام حركة رأس المال العالمي، وفرض توحيد الأسواق وفق مصالح الدول الأقوى والشركات متعددة الجنسيات، وذلك من خلال ضغوط وإكراهات منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

لقد كشفت الدراسات الميدانية عن توسع الشقة بين الشمال والجنوب، كما ازداد الفقر خاصة في صفوف النساء، وهو ما يعبر عنه بتأنيث الفقر. ويتوقع أن تتفاقم مظاهر الاختلال الاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات القليلة الماضية مع تسارع وتيرة الاندماج في الاقتصاد العالمي، وخضوع جميع الدول لشروط وضغوط الليبرالية الجديدة، خاصة مع التوسع في تحرير قطاع الخدمات، وبالتآكل السريع لما تبقى من مكاسب كان يتمتع بها الملايين خلال المرحلة السابقة عندما كانت الدولة الوطنية تحاول تأمين الحد الأدنى من الخدمات حفاظا على التوازن والسلم الاجتماعيين.

إن اندلاع أزمات اجتماعية حادة سيكون له انعكاس خطير على الديمقراطية، مما يقلب الأولويات، ويزيد من حدة التوتر والقلق والخوف من المستقبل. وكل ذلك سيضاعف من حجم المخاطر، ويزيد من تغذية التطرف وبعطي فرصا إضافية لصعود حركات التطرف بمختلف أشكالها، وهو ما من شأنه أن يعقد مهام المجتمع المدني.

  لكل نتيجة مقدماتها الطبيعية

  لا شك في أن وقوع جزء من العالم العربي مرة أخرى تحت الاحتلال يشكل انتكاسة مفزعة، ومؤشرا خطيرا. كما أنه لا خلاف حول رفض التعامل مع عودة الوصاية الدولية المباشرة على بعض دول المنطقة، بالاستناد إلى منظومة حقوق الإنسان والشرعية الدولية التي تؤكد على حقوق الإنسان ومن بينها حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا يثير بدوره إشكالية التدخّل الخارجي بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية. وهي مسألة ذات وجهين. يتعلّق الوجه الأوّل بآلية التدخّل الدولي لحل العديد من المشاكل وهو ما أطلق علية بالتدخل الإنساني أو لدوافع أخرى نصّ عليها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ووضعا لها شروطا وآليات. أمّا الوجه الآخر فيتعلّق بالحد الفاصل بين التدخّل المشروع وبين التدخّل غير المشروع الذي يكتسب صفة الاحتلال.

إنّ ما حصل في السنوات الأخيرة من أزمات وحروب ونكسات على أكثر من صعيد من شأنه أن يدفع الحكومات والمجتمعات العربية ونخبها إلى ربط الحاضر بالمقدمات الطبيعية التي تراكمت وأدت في الأخير إلى النتائج الوخيمة الحالية. فإعاقة البناء الديمقراطي تنتج إعاقة للبناء الوطني وهدرَا استراتيجيا لمقومات السيادة وانحسار التنمية في معظم الدول العربية ليس مرده قلة الإمكانيات، وبقاء العرب خارج دائرة إنتاج المعرفة لا يعود فقط إلى رغبة الغرب في احتكار العلم والمعلومات. فالأزمة في العمق هي أزمة ذاتية، وأسبابها داخلية. وأي محاولة لتحميل " الآخر "، حتى لو كان معتديا، كل مسؤولية ما آل إليه العرب إنما هو مغالطة للذات، وخطأ في التحليل والمنهج.

إن توصيفنا لأسباب الأزمة كونها ذاتية وأسبابها داخلية لا يشرع للتدخل الأجنبي العسكري والاحتلال الذي يرفضه القانون الدولي ويعتبر مقاومته حقا مضمونا.

التغيير ممكن وقد بدأ فعلا

قد يفهم مما تقدم أن المنطقة العربية ملقحة ضد الإصلاح، وأن عوامل تاريخية وثقافية وربما جينية تجعل غير قادرة على أن تصبح جزء من منظومة الدول الديمقراطية. لكن التأمل في الواقع بعين مجردة يكشف عن وجود مؤشرات عديدة تدل على أن الإصلاح ليس مهمة مستحيلة، وأنه رغم العوائق الكثيرة إلا أن شروطا عديدة للقيام بالتحول الديمقراطي موجودة فعلا. فالعالم العربي أصبح يتمتع بنخبة متطورة نسبيا، وهي مرشحة للاتساع واكتساب مزيد من الثقل بفضل ارتفاع نسبة التمدرس وانتشار التعليم في صفوف الجنسين وبين أبناء جميع الشرائح الاجتماعية. يضاف إلى ذلك أن العلاقة بالآخر، أي العلاقة بين المنطقة العربية وبقية دول العالم قوية ومتشابكة إلى حد الاصطدام المتكرر، وهو ما يجعل الوقوع في العزلة احتمال غير وارد. وبالتالي فإن قانون التأثير والتأثر سيؤدي مفعوله آجلا وعاجلا. كما توجد في العالم العربي مجتمعات مدنية وإن كانت في حالة تهيكل ونمو، إلا أنها عرفت خلال العشر سنوات الأخيرة دينامية مرشحة للتزايد مست جميع الأقطار، واخترقت مختلف البنيات. لهذا عندما يطرح السؤال التالي : هل هناك ظروف مساعدة لإحداث التحول الديمقراطي بالعالم العربي ؟، تكون الإجابة القائمة على استقراء موضوعي للسياق أن الأوضاع ملائمة في الغالب لإنجاز ذلك التحول رغم أن شروطه غير مكتملة، وأن لكل بلد خصوصيته التي يجب أخذها بعين الاعتبار، ورغم قوة العوائق وتعددها.

أمّا السؤال المركزي الذي تتعلق به هذه الندوة فيخص استراتيجيات ووسائل عمل المجتمعات المدنية للمساهمة في إحداث ودفع التحول الديمقراطي؟ فما هي طبيعة هذه الاستراتيجيات؟ وما هي وسائل العمل والخبرات التي يجب تطويرها لتنفيذ تلك الاستراتيجيات؟.   

قبل التطرق لهذه الأسئلة لا بد من وقفة لتقييم وضعية المجتمعات المدنية العربية وقدراتها.

مساهمة المجتمعات المدنية العربية في التحولات الديمقراطية :  العوائق الذاتية

- الضعف الهيكلي :

ضعف المجتمعات المدنية العربية لا يعود فقط إلى مركزية السلطة السياسية ونزوعها المتواصل من أجل الهيمنة على المجتمع الأهلي، وإنما لهذا الضعف أسباب أخرى لا تقل أهمية. بعض هده الأسباب هيكلي، ويتعلق ببنية المجتمعات المدنية المحلية وبظروف نشأتها التاريخية، وبعضها الآخر يخص منظمات المجتمع المدني من حيث فقدانها للعمل المؤسساتي، وافتقار قياداتها للمهارات الضرورية والخبرات اللازمة للتنظيم واستثمار الطاقات وبناء القدرات وإقناع الجماهير ووضع الاستراتيجيات القادرة على التوفيق بين الإمكانيات والأهداف العاجلة أو بعيدة المدى.

لقد جرت العادة أن تفسر حالة العجز التي يعاني منها المجتمع المدني العربي فقط بعامل استبداد الدولة، مع غض الطرف عن المسؤولية الذاتية والمباشرة لقوى المجتمع المدني على استمرار هذا العجز وتفاقمه. فاستبدادا السلط لا يفسر ديناميكيات الانقسام، وغلبة المصالح الضيقة داخل أغلب مكونات المجتمعات المدنية العربية، كما أنه لا يفسر غياب الشفافية المالية والإدارية لدى عديد الهيئات والجمعيات وضعف الممارسة الديمقراطية داخل بعض منظمات المجتمع المدني التي لا تختلف في بنيتها وأساليب تسييرها عن أجهزة الأحزاب الحاكمة أو الشمولية.

ولا يمكن التذرع أيضا بهيمنة السلطة فقط لتبرير ضعف استراتيجيات المجتمع المدني وإغفاله وإسقاطه للإجابات الضرورية للعديد من المسائل الجوهرية كقضية المساواة أو وضعف قدرته في وضع برامج بديلة للإصلاح الديمقراطي.

 لهذا فبقدر ما يجب التصدي لمحنة الدولة، يجب التوقف عند تحليل خلفيات وتداعيات محنة المجتمع المدني. وإذ يستحيل افتراض حصول تحول ديمقراطي بدون مشاركة رئيسية وفاعلة للمجتمع المدني، فإنه من غير الممكن إنجاز عملية التحول بمجتمعات مدنية مريضة وتعاني من عجز ديمقراطي فادح.

المشكلة أيضا تقنية

بناء على ما تقدم، يمكن القول بأن المجتمع المدني العربي لا يعاني فقط من الضعف السياسي للدولة ومؤسساتها، ولكنه يعاني أيضا من ضعف " تقني ". وهي مسألة لا تزال لا تحظى بالاهتمام والعناية الكافية. فخبرة النشطاء التقنية والمهارية ضعيفة، وهو ما جعل عديد مؤسسات المجتمع المدني العربي لا تتمتع بالحد الأدنى من الخبرة في مجال بناء الكفاءات الجديدة القادرة على تفعيل دورها في مرحلة التحول الديمقراطي. كما أنه لا توجد رؤية استراتيجية تحدد أهداف المجتمع المدني وأولوياته وأهدافه المرحلية والبعيدة وخططه العملية لإنجاز تلك الأهداف. كما أن تجارب المجتمعات المدنية العربية في مجال إدارة الحوار الداخلي لا تزال محدودة، ولم تخضع بالقدر الكافي للتقييم والنقد لتحديد أسباب فشل أغلب تلك المحاولات في تعميق التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية بالإصلاح الشامل، وإخفاقها في إقامة التحالفات الدائمة وبناء الكتلة التاريخية القادرة على إحداث المنعرجات في تاريخ الشعوب وإنجاز البديل الديمقراطي.

إنّ الحديث عن " دور المجتمع المدني في إنجاز التحول الديمقراطي في الدول العربية "، وهو محور هذا الاجتماع الإقليمي، يفرض ربط السياسي بالتقني لضبط هذا الدور وتوفير شروطه، كما يعني أيضا ضرورة التفكير في التجديد النوعي والكمي للموارد البشرية والمؤسساتية لمنظمات المجتمع المدني العربية إضافة لتطوير الموارد الحالية. كما يعني ذلك أيضا بناء مؤسسات خبرة تستطيع توفير الموارد البشرية والتقنية الضرورية للإشراف على المهام المنجرة عن التحول الديمقراطي، لأن المجتمع المدني مطالب بتغيير قواعد اللعبة في علاقة الدولة به وبكل المواطنين، ولن يتمكن من ذلك إذا كان فاقدا للمؤهلات العملية الضرورية لإنجاز مثل هذه المهمة التاريخية. وهذا بدوره يفرض الإجابة عن سؤال ما العمل؟ وكيف العمل؟ دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية الجوانب النظرية.

يحيل هذا السؤال مباشرة على ضرورة معالجة القضيتين الجوهريتين المطروحتين أمام الندوة، وهما:

1.     الخيارات الاستراتيجية المحددة لدور المجتمعات  المدنية العربية في التحول الديمقراطي.   

2.     وسائل العمل والنشاط المطروحة لتنفيذ هذه الاستراتيجيات.

ب. الخيارات الاستراتيجية المحددة لدور المجتمعات  المدنية العربية في التحول الديمقراطي

خيار استراتيجي أول: علاقة المجتمع المدني بالسلطة: الحوار النشط وخيار العمل السلمي

يعتبر الإصلاح التدريجي والسلمي الاختيار الاستراتيجي المطروح أمام المجتمعات المدنية العربية. وبالتالي فإن على المجتمع المدني أن يعمل رغم كل الصعوبات على تجسير العلاقة مع السلطة السياسية. وهو ما يفرض عليه ابتكار الوسائل الناجعة والفعالة لجعل الأنظمة تنخرط في التغيير.

توجد ثلاث استراتيجيات للتعامل مع الأنظمة. فهناك سيناريو المواجهة المباشرة الصدامية التي تضع الطرفين في حالة قطيعة ومواجهة مفتوحة، لا يحسمها سوى عنف السلطة ومنطق موازين القوى، لأن المجتمع المدني لا يستطيع أن يلجأ إلى العنف وإلا فقد طبيعته. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تبعية منظمات المجتمع المدني للدولة، ومحاولة التحرك ضمن المساحات التي تحددها السلطة. وهذا يعني نفي المجتمع المدني وتصفيته. أما السيناريو الثالث فيمكن وصفه بكونه " سيناريو الحوار التشط والمفاوضة "، ويهدف إلى أن يحاول المجتمع المدني إقناع الأنظمة بأن من مصلحتها الدخول في علاقة شراكة مع الجمعيات والمنظمات المستقلة من أجل تبادل الأدوار في مسار الإصلاح السياسي.

تلك إحدى المهام الرئيسية المطروحة على قيادات المجتمع المدني العربي وهيئاته المطالبة بأن تجد لهذه المهمة الصيغ المناسبة والإجابات الملائمة، وذلك في ضوء خصوصيات كل بلد. وبقطع النظر عن التباينات الحاصلة بين هذا المجتمع أو ذاك من حيث طبيعة السلطة وحجم القوى السياسية ودور القطاع الخاص، أو التفاوت في امتلاك الخبرة وقدرة التحرك باستقلالية، فإن التوصل إلى إقناع الأنظمة بأن تكون شريكا في التحول الديمقراطي يفرض التوقف عند المسائل العملية التالية .

- تطوير قدرات الحوار مع السلطة وبين مكونات المجتمع المدني ومع الشركاء الدوليين في إطار التمسك باستقلالية القرار ومضاعفة إمكانيات الضغط من أجل التغيير الديمقراطي. وبقدر ما ينجح المجتمع المدني في تقديم نفسه كقوة حوار وقوة اقتراح، بقدر ما تكون حظوظه في التأثير على مراكز القرار أقوى وأنجع.

بناء عليه يكون من المفيد أن تدرس منظمات المجتمع المدني مختلف مكونات السلطة وأجنحتها، وأن توثق علاقاتها مع الأكثر استعدادا للحوار والإصلاح، وأن تستعين بالشخصيات الاعتبارية في المجتمع، التي تتمتع بالمصداقية لدى الأوساط الرسمية والرأي العام، لغرض حسن إدارة الحوار مع رجال الحكم.

كما أن الخلط بين وظيفة الحزب السياسي ودور المنظمة المدنية لا يساعد على تنشيط الحوار داخل المجتمع المدني أو مع السلطة. فبناء أجواء الثقة الضرورية أو أي حوار قد يفترض التقيد بخطاب معتدل وصريح مع تجنب أساليب التشخيص والتجريح ومفردات التصعيد السياسي. وهو أمر لا يتعارض مع الحق في اللجوء إلى مختلف وسائل التعبير والضغط  بل يتكامل معه.

-   التأثير على أصحاب القرار : ويكون ذلك من خلال المساهمة النشيطة لمنظمات المجتمع المدني في توجيه الرأي العام وصناعته والتفاعل مع مشكلات المواطنين وتطلعاتهم. كما أن تفعيل دور وسائل الإعلام، ووضع الحق في حرية التفكير والتعبير في مقدمة الأولويات، وبناء علاقات وثيقة مع الصحافيين، خاصة المعروفين باستقلاليتهم وميولهم الديمقراطية، وذلك من أجل شد اهتمام المواطنين والسلطات والقطاع الخاص لما تقوم به المجتمعات المدنية من نشاط، وما تحقّقه من مكاسب على الأرض، وما تسعى إليه من أهداف.

-    التفاوض : يتطلب الاستعداد لمراحل الانتقال نحو الديمقراطية تطوير قدرات التفاوض والتحلي بروح العمل المرحلي وتحديد الأولويات وقد أثبتت تجارب عديدة أن منظمات المجتمع المدني، قد تنجح في ممارسة الضغط على الأنظمة، ولكنها غالبا ما تتعثر أو تفشل عندما تتهيأ لها الظروف لإدارة تفاوض مباشر مع هذه الحكومة وتلك. فأداء المنظمات المدنية العربية ضعيف في هذا المجال، حيث لا يزال التفاوض خاضعا للظروف المحلية والاجتهادات الشخصية ، ولم يتحول إلى اختيار استراتيجي مدروس، ولم يطرح على النشطاء بجدية حتى يصبح آلية هامة من آليات التحول الديمقراطي.

ويعتبر دعم القدرة على التفاوض تتويجا لتطور نوعي في أداء منظمات المجتمع المدني، يهيئها لكي تكون طرفا محاورا قويا وذا مصداقية لم يعد بإمكان السلطة أن تتجاهله أو تشطبه. والتفاوض باعتباره خبرة وقدرة على استثمار أجواء الثقة ونقاط القوة والضعف في الذات ولدى الطرف الآخر يتنزل ضمن رؤية استراتيجية تميز بين الهام والأهم، وبين الجزئي والكلي، وتحسن توظيف الضغوط الداخلية والخارجية من أجل تحقيق مكاسب فعلية ودائمة.

في هذا السياق يجب أن يتساءل نشطاء المجتمع المدني المعنيين بإنجاز التحول الديمقراطي : هل يعرفون ما ذا يريدون بدقة ؟ وهل يملكون خططا مرحلية إلى جانب الأهداف بعيدة المدى ؟. وكيف يكسبون أصدقاء وحلفاء ؟ وكيف يديرون حوارا مع أهم الفاعلين داخل السلطة وخارجها ؟ وكيف يؤثرون في الرأي العام وفي صناع القرار أيضا؟ وهل يعرفون ماذا يعني التفاوض، وكيف يدار ؟. وهل يعرفون كيف يعبئون الجماهير وينظمون الحملات ويمارسون الضغط دون أن يقطعوا الجسور القائمة بينهم وبين الحكومات ؟.

خيار استراتيجي ثان: دعم القدرات، تطوير الثقافة الديمقراطية والتركيز على التربية الشعبية

   تشكل الثقافة الديمقراطية الأرضية النظرية لتوفير بعض شروط التحول الديمقراطي. إنها أداة مهمة في تكوين نشطاء المجتمع المدني والقوى السياسية الراغبة في التغيير السلمي. هذا التغيير، الذي يفترض أن يشكل فرصة تاريخية يتولد عنها صعود قوى اجتماعية جديدة مؤمنة بحقوق الإنسان، وبوجوب حماية التعددية بمختلف مظاهرها وتشكلاتها، عن طريق القانون والمؤسسات الدستورية.

   الحديث عن الثقافة الديمقراطية يقتضي إبراز أهمية التفاعل مع الثقافة الشعبية والقدرات والوعي التاريخي للمجتمعات العربية. فالاهتمام بالثقافة الشعبية هو جزء لا يتجزأ من إشكالية أوسع تخص كيفية التعامل مع التراث بكل ما يعتمل داخله من توجهات يتجاذبها الصراع المستمر بين القديم والجديد، وبين التجديد والتقليد. فتجاهل الثقافة الشعبية ولغة المواطنين وعالمهم الرمزي هو بمثابة مخاطبة أمة بلا روح، وبالمقابل فإن التعامل مع هذه الثقافة بدون رؤية نقدية وربط بينها وبين المتطلبات الثقافية للتحول الديمقراطي من شأنه أن يحولها إلى عائق خطير، وأداة من الأدوات الأيديولوجية التي تحسن استثمارها القوى المناهضة للتغيير.

كما أن مسألة الثقافة الديمقراطية تفرض إقامة حوار صريح ومفتوح بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين. فهل يمكن أن تتعايش الثقافة الديمقراطية على تطرف نموذج ثقافي يقوم على نفي نماذج أخرى متاحة ومتبناة ؟ وكما تستبطن الثقافة الديمقراطية قيم التسامح والتعايش والمشاركة في صناعة القرارات وملامح المشروع المجتمعي البديل، فإنها ترتكز أيضا على قيم المساواة والإقرار بالتعددية الثقافية ضمن المجتمع الواحد، خاصة إذا كان هذا المجتمع متعدد أساسا في طوائفه وأصوله العرقية أو المذهبية. كما أن الثقافة الديمقراطية تعني في جوهرها حماية حرية التفكير والمعتقد والتعبير ، وتوفير الإطار المعرفي والقانوني والاجتماعي لتحصين حرية الإبداع والاجتهاد من أية مصادرة أو تهديد.

خيار استراتيجي ثالث:  المساواة في قلب عملية التغيير الديمقراطي

التحول الديمقراطي مهمّة يفترض أن تنجزها كل القوى المؤمنة بالإصلاح، وبالتالي فإنّ كل المجتمع مدعو إلى توفير الشروط لإنجاز هذا التحوّل. لكن إذا كان المجتمع منقسم على نفسه ويعاني من التمييز في داخله بين الرجال والنساء أو بين مكوّناته العرقية والدينية فهل سيكون قادرا على القيام بتغيير جذري يقطع مع آليات وثقافة مرحلة الاستبداد؟. وهل أنّ المجتمعات المدنية العربية قد تخلّصت في خطابها وفي سلوك أعضائها ومناضليها من آثار مرحلة التمييز؟.

إن المساواة بين الجنسين بقدر ما هو خيار مستقلّ بذاته، فهو عنصر رئيسي في تحقيق التحول الديمقراطي العميق، وبالتالي فهو يتقاطع مع بقية الاختيارات وجميع المجالات الاجتماعية والسياسية والتاريخية والثقافية. فتغيير المعادلات داخل المنظومة الأبوية يصبح متجذرا ودائما مع التقدم في تغيير العقليات والأدوار الاجتماعية والتشريعات ومراجعة العديد من مفردات الثقافة السائدة.

كما أن الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للأقليات القومية أو الدينية أو اللغوية أو غيرها مبدأ اساسي في عملية التحول الديمقراطي المنشود, إذ لا يمكن النهوض بالمجتمعات المتعددة التكوينات دون الاعتراف بحقوقها كاملة وعلى أساس المواطنة والمساواة التامة وعلى قاعدة حقوق الإنسان. 

  خيار استراتيجي رابع: تطوير آليات التحول الديمقراطي،  العدالة الانتقالية نموذجا

من سمات التحول الديمقراطي الانتقال من حالة مجتمعية تسوسها سلطة مطلقة إلى حالة مغايرة يكون الحكم فيها للشعب من خلال اختيار ممثليه عن طريق الانتخاب الحر، وتتأسس العلاقة بين المواطن والدولة على علوية القانون. ومن بين التحديات الرئيسية التي تواجه المجتمعات المدنية، سواء عند الشروع في توفير شروط التحول الديمقراطي أو بعد حدوثه هو معالجة آثار الماضي السلبية ومن بينها مطالبة ضحايا التعذيب والاعتقال التعسفي باسترداد حقوقهم والتعويض المادي والمعنوي والقانوني عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضوا لها سواء حصلت هذه الانتهاكات من طرف مؤسسات حكومية أو من أطراف سياسية معارضة.

بناء عليه، وحرصا على توفير أفضل الظروف لتحقيق انتقال سلمي للسلطة، وسعيا لحفز الأنظمة على الانخراط في عملية التحول الديمقراطي، وتشجيعا لها على القيام بإصلاحات سياسية جريئة وجذرية ، تبلور مفهوم العدالة الانتقائية باعتبارها آلية من الآليات التي تساعد المجتمعات على تجاوز تركة المرحلة السابقة.

إن العدالة الانتقائية لا تعني غلق ملف الماضي دون حساب، أو حرمان الضحايا من حق المتابعة القضائية للجلادين، وإنما هي اجتهاد لتحقيق المعادلة بين توفير الإحساس بالعدالة وبين فسح المجال أمام المجتمع حتى يتمكن من التصالح مع نفسه وتاريخه. فالخوف من الانتقام الجماعي من شأنه أن يشكل عائقا إضافيا وحاسما في وجه محاولات التوصل إلى صيغة من صيغ الانتقال السلمي للسلطة. بينما يكون من مصلحة المجتمع المدني إرساء مناخ يتصف بالثقة المتبادلة بينه وبين الأنظمة، وذلك من خلال إقناع جميع أطراف المعادلة ، وبالأخص السلطة بأن التغيير سيكون في مصلحة الجميع.

تشجع العدالة الانتقالية الأفراد والجماعات على الإقدام على إرساء مقدمات من شأنها أن تعيد للمجتمع وحدته، وتحصن مستقبله ومستقبل أجياله ضد الانتكاسة والعودة إلى أساليب وسياسات المراحل السابقة. ومن بين تلك المقدمات الضرورية إحداث إصلاحات جذرية قي أجهزة الشرطة ومؤسسة القضاء، وإعادة الاعتبار لضحايا القمع وتمكينهم من تعويضات تتناسب وحجم الأضرار التي أصابتهم. كما يكون من المهم إنشاء هيئات ومؤسسات مستقلة تتولى عملية تقصي الحقائق، وجمع المعلومات وتحديد المسؤوليات المباشرة فيما يتعلق بملفات انتهاكات حقوق الإنسان التي تمت خلال المرحلة الماضية.

إن الغاية من العدالة الانتقالية طي صفحة الانتهاكات الجسيمة الماضية مع عدم تفادي النسيان وعدم إثارة النزعات الانتقامية وهذا يقتضي المحافظة على الذاكرة بالنسبة للضحايا وذويهم وكل فرد في المجتمع، وضرورة تقصي الحقائق بكل شفافية وموضوعية، وقيام العدالة بدورها، واقتضاء جبر الضرر وإعادة الاعتبار للضحايا وذويهم، مع ضرورة الإصلاح السياسي والمؤسسي لتجنب تكرار مثل هذه الانتهاكات الجسيمة في المستقبل وتوفير المناخ الملائم لمصالحة وطنية وحقيقية أي مصالحة المجتمع مع تاريخه الحديث وسنوات القمع الماضية.

بناء عليه يمكن التساؤل : هل أن منظمات المجتمع المدني عارفة بحقيقة مفهوم العدالة الانتقالية وآلياتها وأشكالها ؟. وهل تشعر بضرورته وبحاجتها إلى دورات تدريبية متخصصة في هذا المجال ؟. كيف يمكنها أن تقوم بالدفاع عن هذا المفهوم في أوضاع غالبا ما يتمسك فيها جزء هام من الضحايا بحقهم في إنزال العقاب الفردي بمنتهكي حقوقهم؟. هل أن العدالة الانتقالية تلتقي من حيث المفهوم والنتيجة مع حالات الإفلات من العقوبة ؟. 

 

التوصيــات

علاقة المجتمع المدني بالسلطة :

أكّد المشاركات والمشاركون على أهمية فتح وتطوير الحوار بين مؤسسات السلطة ومنظمات المجتمع المدني، كشرط أساسي من شروط التحول الديمقراطي في الدول العربية. ويتزاوج هذا الحوار مع السعي إلى توفير المناخ التشريعي والسياسي الذي يساعد المجتمع المدني للقيام بدوره بكل استقلالية وحرية ويضمن حماية العاملين في مؤسساته وإلى ترسيخ المرجعية الكونية في الثقافة وفي التشريعات الوطنية وملاءمة النصوص الوطنية مع المبادئ والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وقد أوصوا في هذا الإطار بما يلي :

-                    إنشاء مراصد لمتابعة تطور العلاقة بين المجتمع المدني والسلطة وإصدار تقارير بحثية دورية حول الموضوع.

-                    العمل من أجل إقامة منتديات حوار منتظم بين مؤسسات المجتمع المدني من جهة، وبين هيئات الدولة من جهة أخرى.

-                    إحداث مؤسسات أو برامج عمل متخصصة في مجال التحول الديمقراطي تعمل على توفير الخبرة الضرورية وبناء قدرات نشطاء المجتمع المدني التفاوضية وذلك بتنظيم دورات تدريب متخصصة، ودورات تدريب مدرّبين في المجالات التالية :

* الرصد والتوثيق.

* الحوار والخطاب.

* تقنيات التفاوض.

* حل الخلافات بالطرق السلمية.

- بناء القدرات في علاقة بالممارسة الديمقراطية داخل مؤسسات المجتمع المدني.

-                    تطوير قدرات منظمات المجتمع المدني الإعلامية، وطرق تعاملها مع وسائل الإعلام من أجل فتح الحوار بين مختلف مكوّنات التحول الديمقراطي.

-                    توثيق التجارب الوطنية والإقليمية والدولية في مجال الحوار والتفاوض والتدريب عليها ونشرها وتعميمها.

-                    اكتساب الخبرات في مجال التنسيق والتشبيك بين مكوّنات المجتمع المدني وبناء حلقات الخبرة (COP) لممارسة الضغط وتنظيم الحملات.

-                    مساندة منظمات المجتمع المدني في أي قطر عربي لمنظمات المجتمع المدني في أي قطر عربي آخر.

-                    تمثيل منظمات المجتمع المدني العربي في المؤسسات الرسمية الإقليمية مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربي واتحاد المغرب العربي والمؤسسات الرسمية القومية مثل جامعة الدول العربية ومؤسساتها.

الانتقال السلمي للسلطة :

أكّد المشاركون والمشاركات على ضرورة ضمان تحول ديمقراطي في البلدان العربية اعتمادا على مبادئ التعددية والمشاركة الواسعة وضمان التداول السلمي للسلطة وأوصوا في هذا الإطار بما يلي:

-                    تطوير القدرات في مجال المشاركة السياسية وذلك عن طريق دورات تدريبية في مجال الانتخابات ومراقبتها وتحقيق مبدأ المساواة في مجال المشاركة السياسية.

-                    إنجاز برامج توعية تستهدف الشباب لتدريبه على تحمّل المسؤولية على مستوى الشبكات والجمعيات والمنظمات توسيعا لقاعدة المشاركة.

-                    تطوير برامج لتعزيز الديمقراطية وثقافة التداول على المسؤوليات والإدارة الجيّدة داخل منظمات المجتمع المدني (دورات في مجال تحمّل المسؤولية داخل المنظمات والتخطيط الاستراتيجي...الخ).

-                    تكوين برامج لمنظمات المجتمع المدني من أجل ضمان الشفافية على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وإدارة الشأن العام، نظرا لما يمثله الفساد من عائق هيكلي أساسي أمام ضمان التحول الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة.

-                    تطوير قدرات الإعلام على كشف الفساد وتكوين صحفيين لتحرّي الحقيقة.

-       تعميم المعرفة من خلال النشر والتدريب بفلسفة وطرق عمل العدالة الانتقالية والتعريف بالتجارب الوطنية والإقليمية والدولية في هذا المجال (انظر تجربة المغرب مثلا)،

الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان :

أكّد المشاركون والمشاركات على أنّ الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان هي أداة لضمان التحول الديمقراطي وتوسيع نطاق الحوار بين مختلف الفئات المعنية بالديمقراطية كما أنّها وسيلة تطوير القدرات في مجال التفاوض والتأثير والتداول السلمي على السلطة ومواجهة كل العوائق في التحول الديمقراطي.

وتعتمد الثقافة الديمقراطية على المرجعية الكونية في مجال ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية والتي نصت عليها مختلف مجهودات المنظومة الدولية لحقوق الإنسان والديمقراطية والعمل على ترسيخها في الثقافة العامّة لمجتمعات البلدان العربية.

وأوصى المشاركون بما يلي :

-        تطوير قدرات المجتمع المدني على النهوض بثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل على اعتماد مناهج تربوية حديثة وأساليب تثقيفية تقوم على استلهام إشكالات الواقع.

-        تعزيز وعي المجتمع المدني بالثقافة الديموقراطية وعلاقتها بالقاعدة الحقوقية من خلال برامج التثقيف الشعبي ونشر الثقافة القانونية حول حقوق الإنسان والديموقراطية.

-        القيام بدراسات وبحوث ميدانية حول علاقة الفئات المعنية بقضايا التحول الديموقراطي من أجل تحديد احتياجاتها في هذا المجال.

-        إدخال مفاهيم الثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان في المناهج التعليمية بصورة تطبيقية.

-        إدراج مسائل النوع الاجتماعي في استراتيجيات وبرامج عمل الحكومات والمجتمع المدني على حد السواء.

-        إعداد برامج لتبادل الخبرات والتجارب بين الدول في مجال ثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان .

-        وضع آلية للتعاون بين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وبقية الفاعلين في مجال النهوض بالثقافة الديموقراطية.

-        وضع برامج حوار وتبادل وتثقيف للنهوض بثقافة حقوق الإنسان والديموقراطية في دورالعبادة ولدى المؤسسات الدينية.

-        تطوير التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية والمؤسسات الإقليمية والدولية مثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة واليونسكو لتطوير الخبرات والتجارب العربية في هذا المجال.

-        اعتماد ثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان لفتح حوار وتطوير علاقات التعاون مع فئات محددة مثل البرلمانيين والإعلاميين والنقابات المهنية والاتحادات العمالية والمؤسسات الدينية...الخ.

-        القيام بمراجعات تقييمية نقدية لتجارب العمل المدني العربي المشترك تساعد على مراكمة التجارب والتضامن والتشبيك على أساس ديمقراطية العلائق وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

الإرهاب

أكد المشاركون والمشاركات أن التعصب والتطرف والإرهاب هي عوائق أساسية أمام كل عملية تحول ديموقراطي وأن معالجتها لا يجب أن تقتصر على الحلول الأمنية بل يجب أن تعالج الجذور الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية لها. ونبه المشاركون إلى أن لا تتحول محاربة الإرهاب إلى ذريعة للانتهاكات، فمحاربة الإرهاب تكون بالقانون في دولة القانون وأكد المشاركون أن قمع المشاركة الشعبية الواسعة ومنع الحوار والتداول السلمي للسلطة والفقر وانعدام التنمية وغياب الحكم الصالح هي أرضية مناسبة لظهور واستشراء مظاهر التعصب والتطرف والإرهاب، كما نبه المشاركون إلى خطورة المزج المتعمد بين قضايا الإرهاب ومفاهيم حقوق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وأوصى المشاركون والمشاركات بما يلي :

-                    إحداث برامج لتنقية المنظومة التعليمية والمجال الإعلامي من كل مظاهر التعصب والعنف وأي تمييز قائم على أساس العنصر، الدين، اللون، الجنس..

-                    إعداد برامج تربية غير رسمية (تثقيف شعبي) تستهدف كل فئات المجتمع من أجل ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح وتقبّل الآخر والعمل على توعية الأسر بضرورة بناء شخصية الأبناء عن طريق الحوار والإقناع وتقبّل الرأي والرأي الآخر.

-                    تطوير عمل منظمات المجتمع المدني في اتجاه التعريف بالإرهاب ورفع الالتباس بينه وبين حقوق الشعوب وخاصة حقها في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير.

-                    العمل مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لتخصيص فضاءات للتربية على مُثل التسامح وتقبل الآخر ونبذ العنف والإرهاب.

-                    العمل على حثّ الحكومات على ضبط برامج للتنمية تكون التنمية البشرية المستدامة هي هدفها الأسمى وإشراك كل فئات المجتمع في عملية التنمية كفاعل ومستفيد والعمل على تطبيق كافة حقوق الإنسان في أبعادها السياسية والمدنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

-                    حثّ الحكومات على تأمين المحاكمة العادلة في الجرائم ضدّ الإرهاب.

-                    العمل على حث الحكومات على تطبيق مبادئ الحكم الصالح.

-                    تشجيع إنشاء مراكز بحث تعمل على رصد ظواهر التعصب والتطرف والإرهاب وتحديد أسبابها والقيام بالإنذار المبكّر لظواهر التعصب والتطرّف والإرهاب.

-                    مناشدة الدول الغربية بأن تكون علاقاتها مع البلدان العربية ومع تنظيمات المجتمع المدني فيها قائمة على الاحترام بعيدا عن الضغط والوصاية.

                         الدوحة 5 / 1 / 2005